نظرة في واقع ندرة الانتاج المعرفي للمرأة العربية

  ضمن فعاليات معرض الكتاب الدولي الخامس في اسطنبول نظم منتدى المرأة الخليجية جلسة نقاشية حول (نظرة في واقع ندرة الانتاج المعرفي للمرأة العربية) تحدثت فيه نماذج نسائية عربية عن هذه الإشكالية، وتم تسليط الضوء على جانب تحديات الواقع والحلول…

 

ضمن فعاليات معرض الكتاب الدولي الخامس في اسطنبول نظم منتدى المرأة الخليجية جلسة نقاشية حول (نظرة في واقع ندرة الانتاج المعرفي للمرأة العربية) تحدثت فيه نماذج نسائية عربية عن هذه الإشكالية، وتم تسليط الضوء على جانب تحديات الواقع والحلول الممكنة، كما تم استعراض المقاربات المتمثلة بالتجارب النسوية الساعية لحل هذه الاشكالية على أرض الواقع.

انطلقت الحلقة النقاشية من سؤال ما السبب الذي يجعل من الانتاج المعرفي النسوي بشقيه (الفكري/ الأدبي) قليل الظهور والتأثير على أرض الواقع؟

وتم الإجابة عن هذا التساؤل من خلال ثلاثة محاور تحدثت فيها كلاً من الدكتورة أروى الطوقي أستاذة الأدب العربي في جامعة ألوداغ التركية، و الاستاذة عائشة جاسم الكواري رئيسة مجلس إدارة نادي قطر الطوعي ورئيسة دار نشر روزا، والأستاذة عبير النحاس الكاتبة السورية ومؤسسة دار أزرق للنشر.

 

المرأة وندرة الانتاج المعرفي

في بداية حديثها أشارت الأستاذة عائشة الكواري إلى ضرورة التركيز على الجانب المفاهيمي لهذه الاشكالية، لذا يتوجب أن نتساءل حول ما المقصود بالانتاج المعرفي؟ هل يقصد به البحوث العلمية أم الكتابات الأدبية أم كل ذلك؟!

واشارت إلى أن ندرة الانتاج المعرفي ليست إشكالية تتعلق بالمرأة العربية وحدها، بل هي مشكلة المجتمعات العربية، إذ أن هناك قلة في الانتاج المعرفي ككل في صفوف النساء والرجال على حد سواء، وأكدت على أن هذه الاشكالية لا تتعلق بالعدد، أي أن هناك كتب كثيرة تطبع سنوياً وتثري المكتبة العربية من حيث العدد، غير أن كثير من تلك الأعمال المعرفية بشقيها الأدبي والبحثي تفتقر إلى عنصر الإبداع والابتكار، أي أنها مجرد استنساخ لأعمال أخرى، كونها لا تأتي من أجل حل مشكلة أو بناء فكرة جديدة في الواقع.

ثم استعرضت تجربتها في تأسيس دار روزا للنشر، وأكدت على أن الهدف الأساسي من إنشاء هذه الدار هو تشجيع المبدعين والمؤلفين العرب بشكل عام والكتاب القطريين بشكل خاص، من خلال نشر أعمالهم وتطوير قدراتهم وأدواتهم الكتابية.

أيضاً يعمل دار روزا للنشر على تنظيم دورات احترافية تعمل على تنمية مهارات الكتاب من أجل أن يكونوا قادرين على تقديم أعمال نوعية تثري المكتبة العربية بشكل عام، وأكدت على أن مثل هذه المشاريع الصغيرة تسهم في رفد تاثير الثقافة على أرض الواقع، مشيرة إلى أن مشروع هذا الدار كان عبارة عن حلم قبل أن يتحول إلى مشروع يهدف إلى خلق تأثيير إيجابي في الواقع.

ومن خلال تجربتها هذه يتم التأكيد على أن المرأة هي جزء لا يتجزأ من المجتمع، وباستطاعتها أن تتلمس مشكلاته وتسعى لأن تحلها بقدراتها المتاحة كما قامت بذلك الأستاذة عائشة الكواري.

 

الصوت النسوي في الفضاء المعرفي

في توصيفها للمشكلة أشارت الكاتبة السورية عبير النحاس إلى أن الصوت النسوي في الانتاج المعرفي لا يزال مغموراً بسبب القيود المجتمعية والنفسية التي تحاصره وتحد من تفاعل المرأة مع هذه المجالات، وبالتالي يصبح انتاجها المعرفي في مختلف المجالات قليل الوجود وضعيف التأثير.

وفي حديثها أشارت إلى مفارقة عجيبة لا زالت تستمر حتى عصرنا الحالي، إذ أنه وبسبب تأثير الحاجز الاجتماعي تجد كثير من النساء أنفسهن مجبورات على استخدام الاسماء الوهمية، اضافة إلى أن اسقاط ما تكتبه المرأة على واقعها من قبل المجتمع يدفع كثير من النساء إلى الاحجام عن الكتابة خوفاً من الأحكام المسبقة التي ستعترض طريقها بسبب نظرة المجتمع.

وأشارت إلى أن هناك ثمة ممنوعات تفرض على المرأة ومنها الكتابات الوجدانية، وهذه الإشكالية وجدت حديثاً إذ أن المرأة العربية في تاريخها عرفت بتميزها بهذا اللون من الكتابة ومن أمثلة ذلك اسماء الشاعرات في الحضارة الاندلسية، غير أن هذه الاشكالية مزدوجة، إذ أن بعض الكاتبات يسجن انفسهن في الكتابة الوجدانية الموجهة للرجل ولا يلتفتن إلى القضايا الأخرى وذلك بسبب التشجيع الذي تقدمه بع     شرائح المجتمع لهذا النوع من الأدب.

أضف إلى أن هناك خوف أنثوي فطري من قبل المرأة تجاه الموروث، كما أن انشغالها بمسؤولياتها وهموم الحياة يحجمان من قدرتها على الابداع في الجانب المعرفي، واشارت إلى أنه في فترة مؤخرة عمدت الحكومة التركية على تدشين برامج تشاركية بين المثقفين العرب والأتراك وكان من المؤسف أن الاسماء النسائية قليلة للغاية وهذا يؤكد على وجود إشكالية حقيقية تعترض الواقع الثقافي للمجتمعات العربية.

تلعب المشكلة الاقتصادية دوراً كبيراً في إخفاء كثير من الأصوات النسائية المبدعة، فالمراة غير مستقلة مادياً، أضف إلى ذلك أنها لا تحصل على الدعم المالي الذي يمكنها من الحصول على الفرص التي تتاح للرجل، ومن الجانب الفني تواجه الكتابة النسوية معضلة حقيقية إذ أن الأصوات القليلة البارزة ينقصها كثير من التدريب لتصل إلى الاحترافية، ونظراً لقلة عددها فإنها تحصل على الكثير من الإطراء من غير المتخصصين بهدف تشجيعها وذلك يمنعها من مواصلة عمليتي التعلم والتطوير الذاتي في مجال الانتاج المعرفي.

تحدثت فيما بعد عن تجربة تأسيس دار أزرق للنشر والذي توج بإصدار ثمانية عشر كتاب رغم أنه لم يكمل عامه الأول، وأكدت على أن تاسيس هذه الدار جاء بهدف دعم الاصوات المبدعة من خلال اتاحة مساحة مسموعة لنشر إبداعها.

 

تحديات وحلول

تحدثت الدكتورة أروى الطوقي أستاذة النقد والأدب العربي عن الأسباب الأساسية التي أفرزت هذه الاشكالية، ثم فصلت في حلولها، وأكدت على أن قلة الانتاج المعرفي ليس مشكلة لصيقة بالمرأة بل هو مشكلة مجتمعية ترتبط بأسباب عامة يشترك فيها كلاً من الرجل والمرأة، وأسباب خاصة تتعلق بالمرأة العربية، ومن أهم الأسباب العامة التي تؤثر سلبياً في مجال الانتاج المعرفي في المجتمع هو الوضع الاقتصادي، إذ أن ضعف الوضع الاقتصادي يعتبر عامل مهم في التأثير السلبي على الانتاج المعرفي بالنسبة للمرأة والرجل على حد سواء.

الجانب الآخر هو الجانب التعليمي، إذ وكما يلاحظ يسود نظام التعليم التلقيني في المجتمعات العربية الأمر الذي يؤدي إلى انتاج أجيال غير منتجة لأنها اعتادت على أسلوب التلقين والتكرار، بينما في جانب الأسباب الخاصة فمنها ما يتعلق بالأسباب الذاتية أو الأسباب النفسية، وهذه الأسباب تواجه المرأة والرجل على حد سواء غير أن وضع المرأة في المجتمعات العربية يعقد من هذه الجوانب بالنسبة للمرأة.

فالمرأة عالمياً والمرأة العربية بشكل عام، والمرأة المبدعة والمفكرة بشكل خاص تعاني، ولا نقصد بالمعاناة هنا وجود إشكالية ينبغي أن تحل وإنما يقصد بالمعاناة هنا المسؤوليات والواجبات المرتبطة التي تكلف بها المرأة، إذ أنها تحتاج إلى دعم وتشجيع حتى تتمكن من المواءمة بين مسؤولياتها وأدوارها، فالمبدع يحتاج إلى بيئة مشجعة تتمثل في توفر الوقت الكافي والانعزالية التي تمكنه من تطوير قدراته التفكيرية والابتكارية، فإذا توفرت البيئة المناسبة التي تؤهل المرأة تعليمياً بشكل جيد، وإذا توفرت الأسرة التي تشجعها والمجتمع الذي يدعمها اقتصادياً ومعنوياً ستظهر لنا الكثير من المفكرات.

وأشارت في حديثها إلى أن قضية إنتاج مفكرين ومبدعين ترتبط بمسألتي الرغبة والهواية، فإن لم تتوفرا لن نتمكن من إيجاد مفكرين ولو توفرت البيئة المناسبة، وأكدت على أن هناك كثير من النساء المبدعات لكن قلة الانتاج المعرفي في صفوف النساء مقارنة بالرجال يعود إلى قلة الفرص التي تتاح للمرأة مقابل وجود فرص كثيرة متاحة للرجل.

ومن أبرز الاشكاليات التي تواجه المرأة العربية بشكل خاص هو الجانب النفسي المتمثل في جانبين جانب نفسي يتمثل  بالخوف الذي تحصر فيه المرأة نفسها، وجانب ذاتي يتعلق بغياب المهارات الشخصية التي تؤهل الكاتب ليصبح مفكراً أو مبدعاً، وهذه الاشكالية تحمل المرأة -وحدها- الجزء الرئيسي فيها، أيضاً الأسباب المجتمعية التي تعيق المرأة ناهيك عن الاسباب الاقتصادية، كل هذه التحديات أصبح تأثيرها أقل في الوقت المعاصر، فمن خلال وسائل التواصل الاجتماعي لم يعد هناك حواجز حقيقية تعيق المرأة عن إيصال صوتها للعالم، وتبقى بعض الاشكاليات المتعلقة بالعادات والتقاليد التي يمكن للمرأة تجاوزها إذا تغلبت على عقدة النقص التي تشعر بها تجاه الرجال، وإذا تمكنت من التغلب على الخوف الذاتي من مواجهة اللامألوف.

وأشارت إلى أن مسألة النجاح المتكامل للمرأة بحيث توازن بين مسؤولياتها الاجتماعية والابداعية ليست مستحيلة، لأن هناك نماذج نسائية متميزة دمجت بين النجاح الشخصي على مستوى الانتاج المعرفي وبين أدوارها الاجتماعية كأم ومن تلك الأمثلة الروائية التركية إليف شفق التي تحدثت عن تجربته ككأم وككاتبة من خلال روايتها (حليب أسود).

تخلل حلقة النقاش مجموعة من المداخلات والأسئلة، وكان من أبرز المداخلات مداخلة الأستاذة عابدة العظم حفيدة الشيخ الطنطاوي التي تحدثت عن تجربتها الشخصية في مسألة التوازن بين القيام بمسؤلياتها الاجتماعية كأم وبين مسؤولتها ككاتبة ومثقفة في مجتمعها، وأكدت على أن المرأة قادرة على أن تقوم بأدوارها بشكل مثالي إذا حرصت على القيام بواجباها ومسؤولياتها بشكل متوازن.

وأشارت مداخلات المشاركين إلى ضرورة التركيز على جانب تاثير الفهم الديني على الحياة السياسية والثقافية ككل، إذ أن تأثيره السلبي بات محركاً اساسياً في واقع المراة العربية اليوم، مما يتطلب ضرورة دراسة تأثيره وأدواته بشكل دقيق حتى يتم ضبط دوره الفاعل في المجتمع.

أيضاَ تساءل كثير من الحاضرين حول الحلول الناجعة التي تعمل على تفعيل دور المرأة العربية في الجانب المعرفي، وأجابت المشاركات حول تلك الأسئلة بنوع من التفصيل، وأكدن على ضرورة الأخذ بالأسباب التي شكلت هذه الظاهرة، لأن فهمها بشكل جيد يعمل على إيجاد حلول ناجع لها، وكان من ضمن تلك الحلول ما اقترحته الدكتورة أروى الطوقي في سياق حديثها المتمثل بضرروة التركيز على الأسباب الذاتية كخطوة أولية، ثم تأتي عملية معالجة الاشكاليات العامة كخطوة ثانية تتم على مستوى أعلى يتم من قبل الدولة أو الجهات الفاعلة فيها.

وفي الختام تم التأكيد على ضرورة تثمين وتفعيل المبادرات النسائية الموجودة حالياً في سبيل تشجيعها ليكثر عددها وتزيد فاعليتها على أرض الواقع، وتتمثل تلك المبادرات بالأصوات النسائية الواعية في الجانب الأدبي أو البحثي أو من خلال تاسيس دور النشر المهدفة لسد الاحتياجات الثقافية للمجتمعات العربية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *