(العنوسة) الشبح الذي يهدد المجتمعات الخليجية: هل من حل ؟!

منتدى المرأة الخليجية/ خاص

 

تعد ظاهرة “العنوسة”، واحدة من أبرز المشكلات الاجتماعية، والمعضلات الأكثر شيوعا في دول الخليج العربي، حتى أضحت همّآ يؤرق المجتمع الخليجي على المستويين الرسمي والشعبي، إذ لا تخلو أيآ من دول الخليج من مبادرة شعبية، أو تشريع رسمي ما؛ لمحاصرة تنامي هذه الظاهرة.

بيد أن تلك المبادرات المجتمعية والرسمية، والتي عملت ولا تزال تعمل على محاصرة هذه الظاهرة، ووضع الحلول المناسبة لها، لم تستطع – حتى اليوم – أن تحقق النجاح المأمول لوقف تنامي هذه المعضلة؛ خصوصا مع ارتفاع نسبة الأرقام التي تكشفها التقارير الرسمية في دول مجلس التعاون الخليجي، من تزايد مخيف لمعدل نسبة العنوسة بين أوساط النساء الخليجيات.

 

ما هي العنوسة؟!

في موسوعة “ويكبيديا”، تُعرف العنوسة بأنها “تعبير عام، يُستخدم لوصف الأشخاص الذين تعدوا سن الزواج المتعارف عليه في كل بلد، وبعض الناس يظنون أن هذا المصطلح يطلق على الإناث فقط من دون الرجال، والصحيح أنه يطلق على الجنسين ولكن المتعارف عليه مؤخرا هو إطلاق اللفظ على النساء في الأغلب”.

وعلى الرغم من أن هذا المصطلح شامل للرجل والمرأة على حد سواء، إلا أن المرأة اختصت بهذا المصطلح، كون العنوسة، – وفقا للمختصين – تعد بالنسبة للمرأة إجبارية، بينما هي في حال الرجل اختيارية، باعتبار أن هذا المصطلح يعبّر عن إحدى المشكلات النفسية والاجتماعية الموجودة بشكل فعلي في مختلف المجتمعات، وأكثر ما تعانيه منه المرأة من تبعات جمّة لهذه الظاهرة المجتمعية.

وأثار مصطلح “العنوسة”، الذي عادة ما تقصد به المرأة، جدلا واسعا، وبات يلقى حالة من الرفض والجدل المستمرين، بوصفه تمييزًا ضدّ النساء، يُعبّر عن كونهنّ “غير صالحات”، بعد سنّ معيّنة، ومرورًا بالمجال العام والعادات والتقاليد والتصوّرات، والأنماط الخاصة بكل مجتمع والجدل المحتدم حول وضع المرأة.

 

اشكالات مجتمعية!

في مقال لها تحت عنوان (“العنوسة”.. المصطلح المثير للجدل)، على مدونة الجزيرة، كتبت الدكتورة الأردنية في الإرشاد النفسي والتربوي، سماح عليان، حول الإشكاليات الاجتماعية المرتبطة بمفهوم “العنوسة”.

وأشارت، الى أن مصطلح “العنوسة” يراه البعض انتقاصا لقيمة المرأة، وتقييدا لأدوارها في الحياة باعتبار الزواج جانبا من جوانب الحياة، في حين أن أدوار المرأة متعددة في الحياة في جميع مجالات الحياة، ولا يقود عدم زواجها إلى الانتقاص من أهمية أدوارها في الحياة”.

وأوضحت سماح عليان، أن “العنوسة”، “مفهوم ينطوي على اتهام للمرأة، فيقال امرأة عانس إذا ما تعدت سنا معينا من غير زواج، والذي حدده المجتمع، وفي الغالب تلام المرأة على عنوستها باعتبارها فشلت في تسويق ذاتها أو ربما أنها افتقدت للصفات التي تجعلها مرغوبة للزواج، جميعها معان متضمنة غير دقيقة ومغلوطة يخطئها الواقع المشاهَد، كما أنها تنطوي على مفاهيم اجتماعية وثقافية خاطئة تعتبر المرأة وكأنها سلعة تسوق، في حين لا ينظر للرجل الذي تقدم في السن من غير زواج بنفس النظرة، وهو ما يتعارض مع النظرة الشمولية للمرأة باعتبارها إنسانة مكتملة بذاتها”.

ونوهت الى مخاطر هذا الأمر، “كونه قد يساهم في دفع الفتيات إلى الهروب من هذا الوصف، إما بالزواج المبكر غير المدروس، وفي كثير من الأحيان تنبني عليه مشكلات أكبر، فتشعر المرأة بالتعاسة وتدني تقدير الذات، وفقدان الغائية واليأس والسلبية”.

وأكدت في هذا الصدد، “أن المرأة إنسان مكتمل بذاته، مبدع ومنجز، لا يزيده الزواج تشريفا أو قدرا، أو ينتقص منه، وهي قادرة على اتخاذ القرارات المصيرية ومنها الزواج بتروية وعقلانية بعيدا عن ضغوط المجتمع ومحدداته ولها الحق في ذلك، وأبواب السعادة المفتوحة أمامها متعددة، وهناك الكثير من النساء اللاتي لم يتزوجن وخلد التاريخ أسماءهن عبر الأزمان”.

 

أرقام واحصائيات!

في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام 2016، نشرت الهيئة العامة للإحصاء السعودية أرقامًا عن حقيقة أوضاع غير المتزوّجات في السعودية، وبلغت الأرقام حسب الهيئة (227,860) من المواطنات غير المتزوّجات من بين (2,261,946) مواطنة، من اللاتي تبلغ أعمارهن 15 سنة فأكثر ولم يسبق لهن الزواج. أما عن العمر الذي اختارته الهيئة لتحديد مصطلح “العنوسة” الذي ذكرته في النشرة، فقد علّلته بأنه العمر الذي تصبح بعده فرص الزواج “ضعيفة جدًا”.

وفي دراسة أخرى، أجرتها جمعية (أسرتي) المتخصّصة في قضايا الزواج في السعودية، خلال العام 2015، بيَّنت أن اللاتي تأخّرن في سن الزواج بلغ عددهن حوالي أربعة ملايين مواطنة. وكانت وزارة التخطيط السعودية قد أجرت دراسة حول هذا الموضوع وتحديدا في العام 2010، وقالت: أن عدد السعوديات اللاتي تأخّرن في الزواج وصل إلى أكثر من مليون ونصف (1,529,418) مواطنة.

أما في الإمارات، في 2012، قال عضو المجلس الوطني الاتحادي، مصبح الكتبي، إن نسب اللاتي تأخّرن في الزواج ارتفعت إلى “معدلات مقلقة”، مضيفًا أن إحصاءات نفّذتها جامعات في الإمارات، أظهرت أن النسب تصل إلى 60% من إجمالي عدد المواطنات، مشيرًا إلى أن عددهن يصل إلى 175 ألف مواطنة إماراتية، فوق 30 عامًا ولم يتزوّجن.

وفي قطر، لا يوجد إحصاءات من جهات رسمية حول تقدير عدد المواطنات اللاتي تأخّرن في الزواج، إلا أن “صحيفة العرب” القطرية قالت في إحدى نشراتها، في 2014، إن تقريرًا محليًا ذكر أن النسبة بلغت 35% من المواطنات القطريات، فيما ذكرت نقلًا عن خبراء اجتماعيين أن هذه النسبة “تعد كبيرة وقد تهدّد النسيج الاجتماعي”.

في البحرين أيضًا، حيث لم تشر أي مصادر محليّة إلى أرقام محدّدة بعينها، لكن “إذاعة هولندا العالمية” ضمن مسحٍ أجرته، في عام 2014، يغطي معدّلات تأخّر الزواج لدى النساء في العالم العربي، ذكرت ما نسبته 25% بواقع (50 ألف) سيدة، معتمدة في ذلك على ما توفّر من إحصائيات لدى مراكز الأبحاث قامت بدراستها ومقارنتها، حسب الإذاعة.

في سلطنة عمان والكويت يبدو الأمر مختلفًا، حيث لم تصل الأعداد إلى سقف يشكّل تهديدًا حقيقيًا، ففي دراسة أجرتها الدكتورة إيمان البطران، عام 2014، بعنوان “تأخّر سن الزواج لدى الشباب”، أظهرت أن نسبة اللاتي تأخّرن في الزواج لم تتجاوز 10% في سلطنة عمان، فيما لم يأت على ذكرها المسح الوارد الذي نشرته “إذاعة هولندا العالمية”.

كذلك في الكويت، فمن المتوقّع أن يغلب عدد الرجال غير المتزوّجين عدد النساء غير المتزوّجات، هذا ما قالته الإدارة المركزية الكويتية للإحصاء، حيث بيَّنت أن النساء هن الأكثر زيجة من الرجال في الكويت من المواطنين، في الوقت الذي سجّلت فيه زيجات المواطنين الكويتيين من غير الكويتيات تراجعًا كبيرًا إلى النصف 15%، منذ عام 2010 حيث وصلت النسبة حينذاك إلى قرابة 30% من إجمالي الزيجات.

 

تجارة الزواج!

يعكس هذا العنوان “تجارة الزواج”، مقدار التعامل المادي التي بات يتم التعامل مع الفتيات في المنازل من قبل الآباء، الذين حولوا زواج البنات الى تجارة مربحة، يسعى ولي الفتاة الى تحقيق مكاسب وعوائد مالية من هذا الزواج، الأمر الذي جعل الشباب يحجمون عن الزواج، وبالتالي ارتفاع نسبة العنوسة.

وفي هذا الصدد، يقول المستشار الاقتصادي في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، زيد الرماني، إن “الفتاة أصبحت سلعةً تباع في الأسواق، ويتمّ تقدير سعرها من قبل والدها”، في إشارة إلى الربحية في تزويج بعض الآباء بناتهم رغبةً في المال، المبالغ التي تصل لدى بعض العائلات إلى ما فوق 150 ألف ريال سعودي للمهر فقط (40 ألف دولار).

أما على مستوى بعض دول الخليج فإن الرقم قد يتجاوز ذلك، حيث بلغت قضايا “العضل” التي استقبلتها المحاكم ما عدده 741 قضية، خلال عام 2016، وهي القضايا المتعلّقة برفض ولي أمر المرأة تزويجها، وهو تنظيم معمول به في السعودية.

 

الزواج من الأجنبيات!

اضافة الى غلاء “المهور”، أو تجارة الزواج، كما سبق ذكره، كأحد أسباب العنوسة في دول الخليج، يأتي سبب أخر، هو “الزواج من الأجنبيات”، كواحد من جملة الأسباب التي تقف وراء ارتفاع نسبة العنوسة بين الخليجيات.

في سبتمبر/ أيلول 2011، طالب مفتي إمارة دبي، الدكتور أحمد حداد، السلطات الاماراتية بما وصفه بـ “ترشيد الزواج من أجنبيات”، باعتباره أحد الأسباب في تنامي ظاهرة العنوسة بين اوساط النساء في الامارات.

واعتبر الدكتور أحمد عبد العزيز الحداد، “أن الزواج بأجنبيات يؤدي إلى مفسدة بسبب ما يخلفه ذلك من عزوف عن الفتيات الإماراتيات”. حسب قوله.

في مقال له تحت عنوان “العنوسة في قطر”، أكد الدكتور محمد بن علي الكبيسي، “أن مشكلة العنوسة كارثة اجتماعية خطيرة يمرّ بها المجتمع القطري”، موضحا أهم أسباب العنوسة من وجهة نظرة والتي أجملها في الأسباب (المجتمعية، والاقتصادية، والأخرى) حيث تشمل (الأخرى) الزواج من الأجنبيات.

 

آثار وأبعاد!

وحين تتحول المرأة الى سلعة، عادة ما تحرم من حقوقها المكفولة لها شرعا وقانونا، الأمر الذي يؤدي الى أبعاد نفسية خطيرة على المرأة، أهمها فقدانها لقيمتها المجتمعية.

وفي هذا السياق، يقول الاختصاصي النفسي، الدكتور السعودي، علي زائري، إن “هناك أبعادًا نفسية عدّة تقع على الفتاة نتيجة منعها أحد حقوقها الشرعية وهو الزواج، ومنها الكبت، والقهر، وعدم الثقة في النفس، ما يجعلها تفقد قيمتها الاجتماعية”.

مضيفًا أنه “حتى لو خضعت وتزوجت فسيؤثر ذلك سلبًا على شخصيتها وتربية أبنائها في المستقبل، وهو ما قد يؤدّي إلى الرغبة في الانتحار كنوع من الانتقام من الأهل، أو السفر إلى الخارج بحثًا عن حريتها وحفظ حقوقها الإنسانية، وعدم العودة”.

 

الحول والمعالجات!

يجمع المختصين في هذا المجال، أن أبرز الحلول لمعالجة ظاهرة “العنوسة”، تكمن في الزواج، وتشجيع الشباب الى ذلك من خلال عدة عوامل:

أولا: سنّ القوانين والتشريعات اللازمة لتسهيل اجراءات الزواج، وذلك من خلال تقديم المساعدات المالية والعينية للشباب المقبلين على الزواج، وكذا تخفيف المهور وعدم المغالاة فيه، اضافة الى تشجيع الشباب للزواج من خلال إحياء فكرة الأعراس الجماعية بشكل مستمر.

ثانيا: معالجة آثار زواج الخليجيين من الأجانب، كأحد الأسباب في تنامي ظاهرة العنوسة بين الخليجيات، إذ عادة ما يفضل الشباب الخليجي الزواج من الأجنبيات، وترك المواطنات الخليجيات يواجهن مشاكل العنوسة.

ثالثا: العمل على اقامة دورات وندوات مختلفة تعمل على تشجيع الشباب للزواج، وتوعيتهم بالحقوق والواجبات المترتبة عليهم في هذا الصدد، ليس من أجل الزواج فحسب، بل من أجل الزواج واستمرار نجاحه، لأن فشل الزواج يؤدي الى ظاهرة اجتماعية خطيرة أخرى هي “الطلاق”.

 

الخاتمة

أصبحت العنوسة ظاهرة في الخليج، وهذا يعد أمراً مقلقاً، وشبحاً يطارد بعض الفتيات، وتكاد تصل كل بيت، فليست “العنوسة” هي وحدها المشكلة؛ وإنما ما يترتب عليها من آثار سلبية، وجرائم ترتكب بحق الذات والمجتمع والدين، في الوقت الذي أصبح ينظر إلى الفتاة العانس على أنها مذنبة، وأغفل الجميع أنها الضحية، متناسين أن دورها في الحياة متعدد، لا يقود عدم زواجها إلى الانتقاص من أهميتها ودورها في الحياة إطلاقا.

 

المراجع

  • ويكبيديا
  • جيل (شبابي عربي)
  • هافينغتون بوست عربي
  • مدونات الجزيرة
  • قناة الجزيرة
  • الشرق القطرية
  • الخليج الاماراتية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *