الصورة النمطية للمرأة وآثارها في المجتمع

منتدى المرأة الخليجية/خاص

يسود عالم اليوم قوالب نمطية يستهلكها المجتمع في تعامله حيال بعض القضايا أو حيال علاقات أفراد المجتمع ببعضهم البعض، غير أن المرأة في المجتمعات العربية وغيرها من المجتمعات نالت القسط الأوفر من تلك الصور التنميطية بسبب تراكم الأسباب التي تشكل تلك الصور، فمن جهة تلعب الأمثال الشعبية والنكات المضحكة دوراً كبيراً في تشكيل الوعي المجتمعي تجاه كيان المرأة ، كما أن المناهج التربوية عملت على تكريس تلك الصور من خلال التركيز على كيان المرأة في قوالب معينة، من خلال تلك القوالب أصبح دور المرأة في المجتمع محدوداً للغاية، بل وأصبح ذلك الدور المقولب يمثل تحدياً حقيقياً يعيق المرأة عن القيام بدورها الفاعل تجاه المجتمع.

من جهة أخرى بسبب انتشار الثقافة الاستهلاكية لعبت الدعاية والإعلانات دوراً محورياً في اقصاء المرأة عن أي جوانب ايجابية في الواقع، وجعلتها أشبه بسلعة وألغت قيمتها كإنسان، في السطور القادمة نستجلي أبعاد هذه القضية في جوانبها الثلاث، جانب المناهج التعليمية وجانب الإعلان والثقافة الشعبية.

 

المرأة في المناهج التربوية

تسهم المناهج التعليمية دوراً كبيراً في تنشئة الأجيال شأنها شأن المؤسسات المجتمعية الأخرى كالأسرة والأصدقاء، وذلك لأنها تعتبر الوسيلة الاولى لنقل المعارف إلى النشء في مختلف مراحله العمرية، ومن يبحث في مختلف المناهج التعليمية في كثير من الدول العربية يجد صورة المرأة في تلك المناهج محصور في أدوار الطبخ والقعود في المنزل،  وفي هذا الجانب بالذات ثمة جدل كبير، فكثير من رواد التيار المحافظ في المجتمعات العربية يحذر مما تدعوا إليه رائدات الحركة النسوية وبين الاحتياجات الفعلية للمجتمعات لدور المرأة، فليس من الخطأ أن تقوم المرأة بدورها في البيت وفي الطبخ وفي التربية، فكلها أدوار جليلة ترفع من مكانة المرأة ولا تحط من قدرها كما يروج في بعض الأحيان، غير أن القضية تكمن في حصر دور المرأة في تلك الأدوار.

فالمرأة يجب أن تشارك في البناء المجتمعي عبر تعدد أدوارها في مجال العلم والاقتصاد والسياسة بشكل لا يتعارض مع واجبتها بالتوازن مع حقوقها، لكن مناهج التعليم لا تقوم بهذا الدور بل تكرس الصورة النمطية التي تحجر المرأة في زوايا معينة وتحرمها من دورها في المجتمع، وفي هذا السياق تعلق الاستاذ المساعد للاتصال الجماهيري في جامعة الإمارات الدكتورة حصة لوتاه أنه لا يجب أن يتم التركيز فقط على إشكالية استنقاص الأدوار التي تقوم المرأة بها وتظهر في المناهج الدراسية، كالتنظيف والطبخ والتربية، فهذه وظائف سامية وليس نقيصة في حق المرأة، لكن في نفس الوقت يجب أن يتم التركيز على وجود نساءعالمات ومفكرات ومؤثرات في المجتمع، فلماذا لا يتم نقل هذه الصورة للنشء وللمجتمع عبر المناهج الدراسية؟

وأضافت في مقابلة لها على برنامج للنساء فقط على قناة الجزيرة أن إشكالية مضمون ومحتوى المناهج الدراسية خصوصاً فيما يتعلق بصورة المرأة، تحتاج إلى جهود حقيقية وسريعة من اجل ألا تتفاقم، إذ أن تأثيرها لا ينعكس سلباً على واقع المرأة وحسب، بل على واقع المجتمعات العربية ككل.

 

المرأة في الإعلان

تعتبر الإعلانات من أكبر المصادر التي تشكل الصورة السلبية للمرأة لدى مختلف أطياف المجتمع، إذ أن الجميع بمختلف الفئات العمرية والمراحل التعليمية هو معرض بشكل آوآخر لمضمون تلك الإعلانات عبر التلفاز أو في النت أو في الهواتف، ويكمن الخطر في هذه الوسيلة في أنها سريعة الإنتشار وكثيرة التكرار ومضمونها مدمر إذ أنه غالباً ما يختصر كيان المرأة بجانب الجسد وحسب.

في كتابها (المرأة كسلعة) تقول البروفسورة عنات فيرست أن الإعلانات –في حقيقة الأمر- تعكس الأسس الايدلوجية للرأسمالية ودور المرأة فيها، أي أن الإعلانات توظف دور المرأة بشكل كبير من اجل تشجيع الثقافة الاستهلاكية التي تروج لها الرأسمالية، وأسوأ ما في الأمر أن المرأة لا تقوم بدورها في الترويج للثقافة الاستهلاكية بمعزل عن النظرة النمطية التي تحقر من شأنها وتجعلها والسلع التي تعلن عنها سواء.

إذ تظهر المرأة في كثير من الإعلانات بمظهر المخلوقة الضعيفة التي لا تملك من أمرها شيئاً، كما أن معظم الإعلانات التي تظهر فيها المرأة تكون مرتبطة بأدوات التنظيف أو الزينة، كما يروج في كثير من الأحيان إلى المراة باعتبارها سلعة وتستخدم في كثير من الإعلانات على هذا النحو.

بالطبع لا يتم التركيز على خطورة مثل هذه القضية، إذ يعتاد الناس مشاهدة الإعلانات دون تركيز، لكن في حقيقة الأمر تعلق تلك الصور الذهنية في الذاكرة وتعمل على رسم قوالب وأنماط سيئة ينظر من خلالها أفراد المجتمع للمرأة ودورها.

 

المرأة في الثقافة الشعبية

لعل الثقافة الشعبية هي الأشد فتكاً من الجوانب التي ذكرت سابقاَ، إذ أن الجانب التعليمي يؤثر على المتعلمين، والإعلان يخلق تأثير كبير عبر كثرة التعرض له بوعي أو بدون وعي، غير أن الثقافة الشعبية هي التي تنغرس في عقلية المجتمع، وتشكل سلوكه وردود أفعاله تجاه كثير من القضايا والمفاهيم التي تواجه المجتمع، ومن يتتبع دور المرأة في الامثال الشعبية سيدرك أن الصورة النمطية عنها لا تقل سوءاً عن تلك التي تكرسها المناهج التعليمية أو الإعلانات الاستهلاكية.

في مقال للدكتورة موزة المالكي على موقع الخليج أونلاين أشارت إلى خطورة هذه القضية وربطتها بجانب الضحك، فالأمثال الشعبية بطبيعتها خفيفة على الأذن وقريبة على مختلف أطياف المجتمع، ومما زاد في انتشارها هو توظيفها عبر النكتة أو عبر فن الكاراكتير، ويظن البعض أن استخدام تلك الصور النمطية للمرأة في الثقافة الشعبية لا يضر أحد بل هو وسيلة للتندر ليس إلا، لكن الامر ليس كما يبدو عليه، إذ أن أضرار هذه الظاهرة تخلق آثار مدمرة على المجتمع، وتشير ألى أن النكت المسيئة للمرأة في العالم العربي قد اسهمت بالفعل في ترك آثار سلبية على المرأة، ما أدى إلى افتقادها الثقة بنفسها، وذلك أثر بشكل كبير على نموها الإدراكي والتطور العاطفي خصوصاً لدى شريحة الفتيات، إذ تعمل تلك انكات والرسوم الكاركتيرية على تقويض ثقة المرأة ورضاها عن جسدها، من جهة أخرى يغرس صورة مشوهة عن المرأة لدى المجتمع.

 

انعكاسات خطيرة

من يتتبع واقع المجتمعات العربية اليوم يدرك مدى الآثار السلبية التي خلفتها بعض جوانب الثقافة الشعبية، إضافة إلى الدور السلبي الذي تلعبه المناهج التعليمية بسبب عدم تنقيحها وضبطها، كما أن الإعلان أصبح محركاً سلبياً في هذه القضية.

عندما يتم قولبة المرأة في صور نمطية غير فاعلة لا تتضرر المرأة وحدها، بل تنعكس تلك الأضرار على مستويين، فعلى مستوى المرأة تصبح المرأة في ذهنيتها أسيرة لتلك الصورة، وكلما حاولت الخروج عنها لتستعيد دورها الطبيعي والفاعل في المجتمع يتم قمعها من المجتمع، أو تتخلى هي بمحض ارادتها عن المحاولة لقناعتها بأنها لا يمكن ان تخرج عن ذلك القالب.

أما على مستوى المجتمع فتصبح ظاهرة إقصاء المرأة عن دورها في البناء والتعليم عاهة تعيق المجتمع عن التقدم والنمو، وعادة ما يتم إلقاء اللوم على الجانب السياسي أو الاقتصادي، لكن المشكلة في حقيقتها ترتبط بالجانب الاجتماعي بشقيه الثقافي والتعليمي.

 

حلول ومقترحات

حتى يتم تصحيح مسار هذه الوسائل لتقوم بدورها الفاعل في المجتمع، وحتى يتم تصحيح الصورة النمطية التي قولبت وجود المرأة في المجتمع، يتوجب تبني استراتيجيات فاعلة لمعالجة قصور تلك الوسائل، ففي جانب التعليم يجب أن يتم تبني خطط وآليات جديدة تعمل على تصحيح الصورة النمطية للمرأة في المناهج التعليمية، بمعنى يجب أن نرى المرأة في المكتبة وفي المعمل وفي مجال الأعمال وليس فقط في المنزل، كما يتوجب أن يتم تأهيل المعلمين ليقوموا بأدوارهم بشكل فاعل في تصحيح الصور المغلوطة عن المرأة، فتصحيح المنهج لوحده لا يكفي بل تفعيل دور ملقن ذلك المنهج شرط أساسي لإنجاح مفعوله على ارض الواقع.

وفي جانب الدعاية والإعلان يوجد جهود عالمية حالياً تطالب بفرض ضوابط ولوائح للإعلانات حتى لا يتم تشيئ المرأة والحط من كرامتها ووجودها الإنساني، غير أن مثل هذه الجهود لم تحقق الكثير من الاثر بسبب النفوذ الكبير للثقافة الاستهلاكية بقيادة الرأسمالية، لكن على الأقل يمكن للدول العربية ان تتبنى سياسات خاصة بها تعمل على تقنين أشمال الإعلان في قنواتها المحلية، كما يجب ان يتم تفعيل الدور المجتمعي في بناء الوعي، لأن ذلك الوعي كفيل بإبطال الاثر السلبي للإعلانات في واقع المجتمع.

أما فيما يتعلق بالثقافة الشعبية فيتطلب الأمر جهوداً جبارة، لأن الثقافة الشعبية هي جزء من ضمير المجتمع، أي جزء من المسلمات التي لا يناقش فيها، لكن من خلال جهودج التعليم وبناء الوعي يمكن تقويض الأثار السلبية للثقافة الشعبية فيما يتعلق بالصورة النمطي للمرأة.

 

خاتمة

الصورة النمطية لاترتبط بالصور السلبية والمكرسة التي نراها كل يوم حولنا عن المرأة، بل ترتبط بشكل أساسي بالآثار التي تخلقها في واقع المرأة من جهة، وفي واقع المجتمع من جهة أخرى، إذ أنها تهدم كيان المرأة من الداخل وتفرغها من طاقتها وفاعليتها لتصبح مجرد قالب غير قادر على التاثير، وبذلك تتعطل نصف قدرة المجتمع، اما بالنسبة للمجتمع فلنا أن نتساءل كيف يمكن لمجتمع ما أن ينمو أو يتحرك فضلاً عن أن يخطو نحو حضارته طالما أن نصف مكونه خامل، لا لشيء إلا لأنه حبيس في تلك القوالب والصور النمطية القاتلة.

 

مصادر:

الجزيرة

الخليج أونلاين

الراية القطرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *