قانون ومحاكم الأسرة…. انطلاقة عصرية لحماية حقوق المرأة

حيدر رضي

 

انتقلت مؤخرا كل المحاكم الشرعية (محاكم الأسرة حاليا)، إلى مبناها ومقرها الجديد بمنطقة الحنينية، انسجاما مع التوجهات الحالية، بأن يكون (لمحاكم الأسرة) مكان مخصوص بعيدا عن أجواء المحاكم الاعتيادية، بما يضمن خصوصيتها وخصوصية (أطرافها)، تماشيا مع التقاليد والأعراف المتبعة في (خصوصية) قضايا الزواج والفراق والطلاق والنشوز والشقاق والخلاف، بما يضمن (الوضعية الخاصة) لمثل هذه الحالات، والتي تتطلب ابتعادا عن صخب الناس، في أجواء منفصلة ومنغلقة نوعا، بما يفضي إلى نوع من السرية.

وكذا، فإنه صدر – ولله الحمد – القانون الموحد الجديد للأسرة، والذي اعتبره كثيرون (ثورة قانونية) أو بالأحرى (نقلة عصرية) متميزة، وعهدا حقوقيا لا نظير له، لحماية الأسرة البحرينية، ونصرة قضايا المرأة، وإعطاء الكثير من المكتسبات للمرأة وللأسرة البحرينية بشكل عام.

وبحسب إحصاءات جديدة فقد انخفضت معدلات (الطلاق) كثيرا، عما كانت عليه في السنوات السابقة، وهي بشرى حسنة، تتلقاها (الأوساط) البحرينية بارتياح تام، ومؤثر على زيادة الوعي بين الأزواج، لديمومة الحياة الزوجية، والقضاء على أوجه الخلاف بالطرق الودية.

ترى هل سيسهم القانون الجديد في حلحلة القضايا الأسرية؟؟ ولماذا زادت حالات الطلاق بشكل مخيف في السنوات الأخيرة؟؟ هل سيكون هذا القانون ناصرا للمرأة؟؟ وهل سيكون هذا القانون بمثابة (نقلة نوعية) جديدة لعمل وسير إجراءات (محاكم الأسرة)؟؟؟، أسئلة كثيرة تحتاج إلى إجابات شافية، وهذا ما سنستعرضه عبر الإضاءات الآتية:

الإضاءة الأولى: لا خلاف في أن الإسلام كان أكثر حرصا على رعاية الأسرة وحمايتها بتشريعات وقوانين، أكدت على (التكوين السليم) و(التأسيس القويم)، والحماية من الأفعال، التي تؤثر على مسار الأسرة.

ولذ، فقد قيد الإسلام الزواج بواجبات مخصوصة، يجب الإتيان بها، وهي بمثابة (حقوق) للطرف الآخر، وكذا الأمر للزوجة فقد ألزمها بواجبات مخصوصة أيضا، يتحتم الإتيان بها، وهي كذلك بمثابة (حقوق) للزوج.

لقد وصف الإسلام الزواج بـ(الميثاق الغليظ)، لما له من وضعية مخصوصة مقدسة، ولما له من مرتبة تعلو على كل (العقود) الأخرى.

وجعل الإسلام ووضع قاعدة ذهبية، بمثابة (الأرضية) المشتركة (المودة والرحمة)، وألزم كل طرف باتجاه الآخر بحسن المعاشرة ومبادلة الحب والاحترام.

الإضاءة الثانية: لا تخلوا أي أسرة وهي غير معصومة من الخلاف والشقاق، وهي أمور حتمية قد تحدث، ولذا فإنه يلزم كل طرف بضبط النفس، وعلاج وجه الخلاف بالهدوء والتفاهم.

ووضع خبراء الإرشاد الزواجي مفاتيح لإدارة الخلاف، ويأتي على رأسها فكرة (التغاضي) وله فعل عجيب، وعلاج سحري لكل المشاكل.

تقبل الآخر، وتجنب إلقاء اللوم على الآخر، والصبر، وإيجاد صيغة تفاهم مشتركة، وطرح الآراء والأفكار من كل طرف ومناقشتها، كل مفاتيح لحل المشكلات، وحلحلة الأزمات، وعلاج أوجه الشقاق.

في الأدبيات الإسلامية ما يخدم المعنى الذي أوردناه، ففي الحديث الشريف من صبرت على سوء خلق زوجها، أعطاها مثل ثواب آسيا بنت مزاحم. (ميزان الحكمة).

وعن الإمام الباقر، «إن الله عز وجل كتب على الرجال الجهاد، وعلى النساء الجهاد، فجهاد الرجل، أن يبذل ماله ودمه حتى يقتل في سبيل الله، وجهاد المرأة أن تصبر على ما ترى من أذى زوجها وغيرته». (مكارم الأخلاق).

الإضاءة الثالثة: تشير الإحصاءات الى تزايد (حالات الطلاق) في البلدان الخليجية والعربية، وبخاصة بين (الشباب) حديثي الزواج، وهذا يدعونا إلى دق جرس الإنذار، لما لهذه (الحالات) مؤشرات خطيرة على الأسرة الخليجية والعربية.

وثمة أسباب لذلك وقد يكون من بينها (سوء الاختيار) وصعوبات التكيف، وعدم النضج، وعدم الإلمام بفنون إدارة الخلاف وغيرها من الأسباب، (www.lahaonline.com).

الإضاءة الرابعة: ولعل الفقهاء قد أطلقوا على الارتباط الشرعي بين الرجل والمرأة اسم (العقد الشرعي)، وهو من المستلزمات التوثيقية)، ولكن القرآن الكريم اسماه (الميثاق الغليظ)، ويقول الحق سبحانه «وأخذت منكم ميثاقا غليظا»، وهذا النص القرآني دلالة على وجوب الوفاء بالميثاق، الزوج والزوجة.

هذا الوصف بالميثاق، وهذا النعت بالغليظ، يقتضي التعامل بالزواج، بمرتبة عالية مخصوصة، وأكبر درجة من كونه عقدا كسائر العقود، والمعروفة في بنود وفصول الفقه الإسلامي بشتى مذاهبه.

الإضاءة الخامسة: لا ينبغي للزوج إنهاء هذا الميثاق الغليظ بسبب دعوى (الكراهية) للزوجة، بل عليه الصبر والتريث، ليرى أوجه الخير المختلفة، والتي ربما تكون غائبة عنه في لحظات نفسيته المضطربة، بل لربما سيحصل على صفات خيرة وحميدة.

يقول الحق سبحانه «وعاشروهن بالمعروف، فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا، ويجعل الله فيه خيرا كثيرا».

الإضاءة السادسة: فإنه يستوجب في حال الشقاق والخلاف، النظر بموضوعية محضة في أوجه، ولا سيما (الزوجة) وهي الحلقة الأضعف فقد تكون مظلومة، وإن كان الأولى الانحياز لهذا المنحى وجعله الاحتمال الأول، حتى يتبين العكس وإنها هي الظالمة.

وقد أشار القرآن الكريم إلى التحكم العائلي، كأحد الحلول، لمعالجة حالة الخلاف التي قد تحدث بين الزوجين، يقول تعالى «وان خفتم شقاق بينهما، فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها، إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما» (النساء آية 35).

واختيار الحكمين من أهل الزوجين، المراد منه الاستفادة من خبراتهما وعاطفتهما، وحرصهما على مصلحة الزوجين، ونيتهما المخلصة في عودة الوئام والحب بينهما، ولا يشكل إطلاعهما على أسرار حياة الزوجين إحراجا كبيرا، مقارنة باطلاع الأجانب، ضمن (المحاكم الرسمية)، فضلا، أنه لا يكلف كثيرا، ولا سيما نفقات المحاكم وأجور المحامين.(أنظر: التحكيم في الخلافات الزوجية، reyhana.rafed.net).

الإضاءة السابعة: فقد تحقق الكثير للمرأة، وبخاصة في هذا العهد من المشروع الإصلاحي الكبير لجلالة الملك، فقد تعزز دورها، ونالت الكثير من الحقوق والمكتسبات، وما المجلس الأعلى للمرأة، إلا شاهد عيان للجهود المبذولة في هذا المضمار.

وكذا دور المؤسسات الأهلية للمرأة، كدور رديف من اجل نهضة وعزة المرأة, واتي تكاثرت أعدادها، والذي نأمل المزيد من الجهود في هذا الحقل.

ولقد اختط المجلس الأعلى سياسة راشدة وحميدة، وهي تمكين المرأة في المؤسسات والأجهزة الحكومية، ونالت المرأة البحرينية الكثير من المناصب التنفيذية والقيادية، أسوة بالرجل، بل ان لجانا قد شكلت بغرض (تكافؤ الفرص)، مما يدلل على الجهود المبذولة لتمكين المرأة.

وكذا، فإنه يشهد (القطاع الخاص) تطورا ملحوظا، في تبوء المرأة المناصب بهذا القطاع، وبخاصة في قطاعات (البنوك) و(المؤسسات المالية) و(الفنادق) و(الشركات الكبرى) و(شركات التأمين) وغيرها. هذا والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل.

 

أخبار الخليج

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *