المرأة والميراث

د. تيسير التميمي

 

ميراث المرأة في الإسلام مع أنه واحد من الحقوق الشرعية الثابتة لها في هذا الدين، حيث قال تعالى: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضاً}، (النساء: 7)، إلاَّ أنه من المواضيع التي تُتَّخَذُ سبيلاً للتشكيك في نظرة الإسلام إليها.

والمبدأ العام الذي نتبناه أن الذي حدد الأنصبة الإرثية وبيَّن مستحقيها هو الذي خلق الذكر والأنثى، وهو الذي لا يحابي أبداً ذكراً على أنثى ؛ فهما جميعاً عباده ومن خلقه، وتعتبر الأنصبة الإرثية من المواضيع التي تضيق فيها دائرة الاجتهاد، إذ إن معظم أحكامها نصِّيَّةٌ ثابتة في القرآن الكريم أو في السنة النبوية. وفي إشارة إلى منع تجاوز هذه الفرائض أو مخالفتها قال تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيها وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيها وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ}، (النساء: 13-14).

يجعل المشككون قاعدة «للذكر مثل حظ الأنثيين» مثاراً للشبهة حول نظام الإرث في الإسلام، علماً أنها لا تنسحب على جميع الحالات، فقد يكون نصيب المرأة نصف نصيب الرجل كما في قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ }، (النساء11)، وقد يكون نصيبها مساوياً لنصيبه كما في قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوْ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ }، (النساء: 12)، وقد يكون نصيبها أكثر من نصيبه كما في قوله تعالى {فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ}، (النساء: 11)، ففي هذه الحالة يأخذ الأب الباقي تعصيباً وهو أقل من الثلث.

أما حول أسباب هذا التفاوت فقد رأى كثير من المفكرين المحدثين اجتهاداً خاطئاً منهم يؤجرون عليه أن هناك حكمة وراء تفاوت الفروض الإرثية بين الورثة، فمنهم من يرد هذا التفاوت إلى سبب الإرث ثم إلى الأولوية فيه، ومنهم من يرده إلى درجة القرابة، وفريق ثالث يرده إلى مقدار ما يتحمل الوارث من أعباء مالية، وأخيراً هناك من يرد التفاوت إلى الفئة العمرية للوارث وطول أو قصر البقية الباقية من عمره.

والراجح عندي الجزم بأن أحكام الإرث تعبدية خالصة ؛ فلم تنص الأدلة الشرعية على علتها والحكمة من تشريعها، ومعظم التفسيرات التي أوردها المفكرون غير دقيقة نسبياً أو غير صحيحة:

1- فالزواج من أسباب الإرث لكنه ليس بأقوى من القرابة، ومع ذلك ففرض الزوجة مثلاً أكبر من فرض الوالدين ؛ وفرض الزوج أكبر من فرضهما أيضاً ومساوٍ لنصيب الأخت الشقيقة المنفردة في حالة الكلالة.

2- والإخوة العصبيون متساوون في درجة القرابة لكن نصيب الإخوة لأب مثلاً لا يساوي نصيب الإخوة لأبوين، والأب يساوي الابن في درجة القرابة لكن نصيبيهما غير متساويين.

3- وليس صحيحاً أن المرأة غير مكلفة بالإنفاق على نفسها أو على غيرها، بل هي ملزمة بالإنفاق على نفسها إن كان لها مال، فقد نص الفقهاء على أن نفقة كل إنسان في ماله إلاَّ الزوجة فنفقتها على زوجها، وحتى نفقة الزوجة يقرر الفقهاء أنها جزئية وليست كاملة كنفقة النشوز ونفقة التطبيب ؛ فنفقة المرأة تجب في مالها إذا كانت غير متزوجة، وهي ملزمة بالإنفاق على أقاربها وبالأخص الوالدين لقوله تعالى في بيان نفقة الصغار {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ }، (البقرة: 233). هذا في الشرع ؛ أما في القانون فقد ألزمها قانون الأحوال الشخصية بالإنفاق.

4- وربما تصدق فكرة الفئة العمرية أساساً لتفاوت أنصبة الورثة في بعض الحالات كالأب والابن ؛ إلاَّ أنها لا تنطبق على جميع الحالات الأخرى.

 

صحيفة الخليج

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *