المساواة في الشهادة بين الرجل والمرأة هي الأصل

عصام تليمة

 

تناولنا في مقالاتنا الثلاثة السابقة شهادة المرأة، ملابسات وظروف الموقف منها، وهل هي نصف شهادة الرجل دائما أم لا؟

وتناولنا الآية الكريمة التي تحدثت عن شهادة المرأة، ورأي من ذهب من العلماء أنه مقصود بها حالة معينة، بسبب عدم حضورها مجالس التجارة، وهو ما ألمح إليه الإمام الكبير ابن القيم حين قال: “لأن النساء يتعذر غالبا حضورهن مجالس الحكام”. [1]

وأكد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال بوضوح عن قوله تعالى: (فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى) البقرة: 282، إن فيه دليل على أن استشهاد امرأتين مكان رجل إنما هو لإذكار إحداهما الأخرى إذا ضلت، وهذا إنما يكون فيما يكون فيه الضلال في العادة، وهو النسيان وعدم الضبط ..

وإلى هذا المعنى أشار النبي  صلى الله عليه وسلم حيث قال: “وأما نقصان عقلهن: فشهادة امرأتين بشهادة رجل”، فبين أن شطر شهادتهن إنما هو لضعف العقل لا لضعف الدين، فعلم بذلك أن عدل النساء بمنزلة عدل الرجال، وإنما عقلها ينقص عنه، فما كان من الشهادات لا يخاف فيه الضلال في العادة، لم تكن فيه على نصف رجل). [2] فاتضح بذلك خصوصية الحالة بظرف معين، وهو عدم توافر الخبرة لدى المرأة بما تشهد عليه، وذلك صونا لحقوق الناس.

القرآن يبين مساواة شهادة المرأة بالرجل:

وقد ورد في الشرع حالات تدل على مساواة شهادة المرأة بالرجل، منها ما ورد في شأن (اللعان)، وهو إذا اتهم رجل زوجته بالزنى، وليس لديه أربعة شهداء عليها، حيث يشهد الرجل أربع شهادات، والمرأة كذلك، وهذا يدل على المساواة في الشهادة في سائر الأمور ..

يقول تعالى في هذه القضية: “والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين. والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين” (النور: 7،6) ..

يقابل شهادة الرجل هنا، شهادة بنفس الدرجة هي شهادة المرأة (الزوجة) يقول تعالى: “ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين. والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين” (النور: 9،8)، وهو ما أشار إليه العلامة الراحل الشيخ محمود شلتوت، فاهما من النص تساوي شهادة المرأة بالرجل هنا. [3]

فهنا شهادة الزوجة (المرأة) تقابل شهادة الزوج (الرجل) وتتساوى معه، ولو كانت شهادة المرأة نصف شهادة الرجل، لوجب أن تشهد ثمان شهادات، ويكون القسم في التاسعة والعاشرة أن غضب الله عليها، إن كان من الصادقين ..

وكما نرى في قضية الرق، فالإماء والعبيد، في أحكامهم نصف الحر، من حيث العقوبة، فمثلا يجلد الحر مائة جلدة عند الزنى، ويجلد العبد والأمة خمسون جلدة، وهكذا في بقية الأحكام في العقوبات، فلو كانت شهادة المرأة نصف شهادة الرجل بإطلاق، لوجب في حد اللعان التنصيف، ولكنها شهادة مكتملة هنا بلا شك.

السنة تبين مساواة المرأة بالرجل في الشهادة:

ومن الحالات التي تدل على أن شهادة المرأة كاملة في معظم الأحكام، عدا الحالة التي اختصتها بها الآية وفق الملابسات التي ذكرناها حولها، قضية أخرى مهمة، وهي في باب الحدود، في حد الزنى تحديدا ..

فقد اشترط الإسلام لإقامة حد الزنى على الزاني، أن يثبت بأحد أمرين: إما الشهود، أن يشهد أربع بأنهم رؤوا إنسانا يزني بامرأة، فإن لم يكن هناك شهود فلا يقام الحد، والأمر الثاني الذي يثبت به الزنى، هو (الإقرار)، أن يقر الزاني نفسه، بأنه زنى، فقد اشترط الفقهاء أن يقر الزاني أو الزانية، أربع مرات، بأنه مارس هذه الفاحشة، واشترط البعض أن يكون في جلسات مختلفة، وذلك ليراجع كل منهما نفسه فيما يقول ..

وهو ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه، فعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لماعز بن مالك: “أحق ما بلغني عنك؟ “قال: وما بلغلك عني؟ قال: “بلغني عنك أنك وقعت على جارية بني فلان؟ ” قال: نعم، فشهد أربع شهادات، فأمر به فرُجم.

وعن ابن عباس قال: جاء ماعز بن مالك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فاعترف بالزنى مرتين، فطرده، ثم جاء فاعترف بالزنى مرتين، فقال: “شهدت على نفسك أربع مرات، اذهبوا به، فارجموه” ..

وهو نفس ما فعلته الغامدية التي اعترفت أربعا كماعز، قال: كنا أصحاب رسول الله نتحدث أن الغامدية وماعز ابن مالك لو رجعا بعد اعترافهما -أو قال: لو لم يرجعا بعد اعترافهما- لم يطلبهما، وإنما رجمهما عند الرابعة”. ” أن الغامدية أقرت عنده بذلك فى مجالس”.

ومعلوم أن الإقرار أربع مرات هنا، أن كل مرة منهن، هي بديل عن شاهد من الأربعة شهود، ولو كانت شهادة المرأة نصف شهادة الرجل دائما، لطلب منها أن تقر ثمان مرات، لا أربع، كما ثبت في كل حالات الزنى التي أقرت فيها المرأة بالزنى، فقد أقرت أربعا لا أكثر، وهي قرينة ودلالة واضحة على التسوية بينها والرجل في هذا الحد. وهاتان حالتان ذكرهما القرآن والسنة، وهناك حالات أخرى يقبل الإسلام شهادة المرأة منفردة، ويرفض شهادة الرجل، نذكرها في مقالنا القادم إن شاء الله.

[1] انظر: الطرق الحكمية في السياسة الشرعية لابن القيم ص: (1/396).

[2] انظر: الطرق الحكمية في السياسة الشرعية لابن القيم ص: (1/400،399).

[3] انظر: الإسلام عقيدة وشريعة لمحمود شلتوت ص: 241.

 

الجزيرة نت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *