جلد الذات

رحمة راشد

 

الجهل بقصور النفس البشرية يدفع البعض إلى محاسبة نفسه لدرجة يصل فيها إلى تحقير ذاته وإلى أهانتها وتذكير نفسه بشكل دائم بأنه شخص عديم النفع ويستغرق بتعداد عيوبه ونواقصه إلى أن يقع للأسف في هوّة (جلد الذات)، وهذا النوع يميل غالبا إلى تضخيم الأخطاء التي يقع فيها، ولوم النفس والشعور المتواصل بالذنب ويقع في حالة يأس واكتئاب ويغلب عليه التفكير الانهزامي والتركيز على العيوب والجوانب السلبية التي يظن أنّه يعاني منها مما يسبب له قلقا متواصلا واضطرابا في النوم وأرقا مستمرا، كما أنّه يؤطر حياة الإنسان لا شعوريا ويخلق لنفسه صندوقا يخشى لاحقا الخروج منه خوفا من مواجهة نفسه أو مواجهة المجتمع، كما أنه يكون سببا أساسيا في عرقلة تحقيق ما يرغب به مستقبلا ظنا منه بعدم جدارته.

يجتهد الإنسان كثيرا في تقويم نفسه وحفظها من الوقوع في الخطأ وكأن الخطأ رذيلة وجب تجنبها، رغم أن الأخطاء هي جزء من التركيبة البشرية وجزء من الحياة نفسها، ولا أرى هنا اختلافا كبيرا بين الأخطاء العادية اليومية التي قد يرتكبها الفرد وبين التجاوزات الأخلاقية التي يعتبرها البعض أخطاء أو- خطايا- أعظم لا تغتفر وتستحق على أثرها اللعن والعقاب، فكلها تصب في قالب إيذاء النفس أو الغير، وكلها تسبب تأنيب الضمير والندم، وتم وضع الكثير من القوانين والروادع  التي يراد منها تهذيب النفس البشرية، لكنها مع الأسف هي أداة لكسر الذات، لا يملك أحد الحق بمحاسبة الآخرين أو انتقادهم لوقوعهم في خطأ ما، لأنهم غالبا يتصرفون وفق تركيبتهم الدماغية التي لا يد لهم فيها ووفق بيئتهم الاجتماعية والظروف المحيطة بهم، هنا وجب معالجة من يتمادى معه الوضع بطريقة مهنية مدروسة ومحاولة فهم الدوافع التي تسببت له بذلك بدلا من التعنيف والإمعان بقمعهم أكثر وأكثر.

وأغلبنا يفعل ذلك بسبب تأثره برأي الآخرين وبسبب حساسيته المبالغ فيها من ردود أفعالهم وهذا يعتبر عبئا إضافيا ثقيلا على النفس، وفقا لـ (جان بول سارتر) “هناك نسبة كبيرة من الناس في العالم تعيش في الجحيم؛ لأنها تعتمد كثيرًا على رأي الآخرين ” لذا يلجأ الفرد إلى محاسبة نفسه بشدة من باب محاسبة النفس قبل أن يحاسبه الآخرين، وتكون النتيجة هدر الكثير من الوقت بلا طائل لأننا أساسا لن نستطيع تغيير ما قد حصل، بالإضافة إلى تشتيت جهدنا وفكرنا بدلا من اعادة رسم طريق آخر لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

وغالبا ينشأ هذا الشعور مع التربية وكثرة النقد وتهميش الأفعال في الصغر، حيث إنّ اجتهادنا كآباء في تعنيف أطفالنا وضربهم أحيانا عقابا لهم على أخطائهم التي لا ذنب لهم فيها يعتبر من أكبر الجرائم بحق النفس البشرية لأنهم بطبيعة الحال لا يستطيعون السيطرة بشكل كامل على تصرفاتهم رغم معرفتهم أحيانا بخطأ ذلك الفعل، ويظل هذا النظام الفكري مع الفرد هو نفسه حتى يكبر، وهذا يشبه معرفتنا بمضار تناول السكر والنتائج المترتبة عليه ورغم كوننا أفرادا بالغين عاقلين لا نستطيع منع أنفسنا عنه.

مع هذا فإنّ بالتأكيد محاسبة النفس ومراقبة ما نفعل مهم جدا لمسار حياة صحي، لكن هناك فرق شاسع بين جلد الذات ونقد الذات لتهذيب النفس قدر المستطاع لأنه بطبيعة الحال كما ذكرت سابقا تظل النفس خطاءة، ومن المهم في المقام الأول أن يعرف الإنسان ذاته ليعرف كيف يتعامل معها ويعرف قدراتها وكيف يتعامل مع عواطفه وردود أفعاله تجاه ما يحدث حوله في المحيط الذي يعيش فيه، في النهاية “لا يتحقق السلام الداخلي إلا إذا سامحنا بدل أن نحاكم” (توماس فولير).

 

الرؤية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *