بوصلة التركيز

لما دعدوش

 

ترافقنا العديد من البوصلات في حياتنا لتساعدنا في تحديد اتجاهاتنا ورسم خطوات مستقبلنا، ولعل أهمها تلك البوصلة الذهبية التي تؤثر بشكل كبير جدا في كل نواحي حياتنا وفي أدق تفاصيلها وتأخذ حيزا كبيرا من تفكيرنا وتؤثر بصورة أو بأخرى في مسارات وخيارات قراراتنا. وقد نذهل عندما نعرف مدى قوة وتأثير هذه الأفكار والكلمات بلا وعي منا على سلوكيات وتصرفات كثيرة، حيث تأخذنا في اتجاهات ومناحي مختلفة ومتنوعة، غالبا ما تكون بعيدة عن ما نريد وما نحب.

لطالما أبحرت مع كلمة (التركيز) لأعرف دور هذه الكلمة الفذة، ووجدت أنها السر في كثير من تجارب الفشل والنجاح على حد سواء، ولأسألك بشفافية: كم مرة ركزت في ما ينقصك ويعكر صفو حياتك خلال يومك؟ كم مرة ذهب بك التركيز إلى ما يقلقك ويزعجك ويؤرق نومك؟ كم مرة قاومت فكرة التركيز على المفقود في حياتك؟ كم مرة ركزت على أخطاء الآخرين وزلاتهم بغية الكمال والمثالية (الوهمية)؟ كم مرة ركزت على الحزن والضعف؟ كم مرة ركزت على مواطن ضعفك وسلبياتك؟ كم مرة شعرت أنك تريد أن تبتسم ولا تستطيع؟

إن قوتك وذكاءك وطاقتك وعزمك تتبع تركيزك، فالطاقة تذهب حيث يكون التركيز، فحين تركز على الأشياء الجميلة التي تملكها أو الأشياء التي حققتها في الماضي لتكون دافعا وحافزا قويا لك، ستجد أنك كمن يدور حول نفسه ويحيطها بدرع من حديد يدفع عنها بيمينه العجز والحزن والألم، ويدفعها بيساره الى الأمام والنجاح والقوة والفاعلية والتفاؤل والإيمان. إن بوصلة تركيزك تنبؤك بمستقبلك وتجمله في عينك وتزهره في قلبك، تخبرك بما سيحدث وما ستكون وما ستفعل.

هل لك أن تعطيني القليل من تركيزك الصباحي وقبل النوم لأقول لك كيف ستكون؟ هل لك أن تفعل عين النحلة التي لا ترى إلا الجميل في حياتك يوما وتخبرني كيف وجدت يومك؟ هل لك أن تبدأ صباحك بتركيز عال على هبات الله العظيمة عليك؟ هل لك أن تتذكر مواقف جميلة حدثت معك وتدعها تلامس وجهك وترسم ابتسامة رضى ومحبة عليه؟ هل لك حين تشعر بالضعف أن تتذكر مواقف قوة لك وتركز عليها لتستعيد قوتك من جديد؟ هل لك حين تشعر بالحزن أن تتذكر أناسا أحبوك بصدق وتركز عليه لتشعل نور المحبة بقلبك من جديد؟ هل لك أن تنظر للناس بعين الأخوة لا المراقبة والنقد وتفتح صفحات جديدة من التعامل والتعاطف والمساندة؟ هل لك عندما تحزن أن تسامح نفسك وماضيك وتبدأ من جديد؟

هل لك أن ترى أجمل ما في زوجك واولادك وأهلك وبيتك وتترك العين المحاسبة جانبا لفترة؟ هل لك أن تركز على الجميل والرائع في حياتك، فهو كثير ويحتاج رؤية عينك وتركيزك فقط؟ هل لك أن تحب نفسك فتهديها أجمل هدية بتركيزك على أجمل صفاتها ورؤية جمال نعم الله عليك لتجدها في ازدياد وازدياد بامتنانك لوجودها؟ هل لك صديقي أن تركز معي على التركيز؟

تركيزك على ما تحب سيجلب لك ما تحب، وتركيزك على ما لا تحب سيجعلك في إطار ودوامة ما لا تحب، تركيزك على النقص سيضعك دوما في مواطن النقص في العلاقات والأشخاص والأشياء والماديات. انتبه، أين يذهب بك تركيزك؟ تركيزك على الوفرة ورؤية الإيجابيات سيفتح لك أبوابا من الوفرة في كل ما تراه متوافرا (حتى لو كان قليلا) سيضاعفه ويكرره ويزيده ويوسعه. اختر المسار والاتجاه الذي تريد أن يأخذك إليه تركيزك.

تذكر دوما.. أنت المسؤول.. أنت من يركز ويوجه تلك البوصلة وهي تتبعك .

 

جريدة عمان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *