ثقافة الاجتهاد والتنمية

خالد العماري

 

الاجتهاد قرين الجد، ومعناه بذل الطاقة والوسع في إنجاز شيء ما، وهو من المصطلحات الدالة على ذروة النشاط الإنساني أيا كان نوعه، وهو أصيل في الطبيعة البشرية، ولذا كان أصدق الأسماء حارث وهمام كما في الحديث الحسن عن رسول الله، وأما البلادة والكسل والخنوع والتهاون والتلكؤ فهي طارئة وفي الغالب أنها نتاج التنشئة والبيئة.

لكن مفهوم الاجتهاد قد انحسر في الفقه ليدل على حالة استثنائية بدل أن يكون مقصدا ظاهرا ومعلما واضحا يتم تكوين طالب الشريعة على أساسهما، وانحسر في التربية حتى أصبحنا نفرح بالأبناء والطلاب الذين «يسمعون الكلام» وبالمربين الذين يقلدون من رباهم، وانحسر في العمل الحكومي حتى أصبحت الأنظمة واللوائح آصارا وأغلالا، وانحسر في المؤسسات الخيرية حتى صار كثير من مديريها عصيا على التقاعد وتسليم الأمر للأجدر من أبناء المجتمع، وانحسر في القطاع الخاص حتى امتلأت أسواقنا بالمقلد والمغشوش والماركات والوكالات الأجنبية، وانحسر قبل ذلك كله في طريقة بناء المفاهيم والأفكار والتوجهات حتى طغت التبعية والتقليد والاستلاب!

نردد عبارة «اجتهد» كل يوم تقريبا، وهذا حسن لا إشكال فيه، ولكن لم يجتهد كثير منا ولو مرة واحدة في فهم معنى الاجتهاد، وكيف يكون مجتهدا قبل أن يأمر غيره بذلك؟!

الاجتهاد قائم

من جهة على الحرية والاختيار المكفولة لابن آدم منذ أن خلقه الله، فهو حر مختار في طاعة الخالق واتباع هداه، فما بالنا بما هو دون ذلك؟! ومن جهة أخرى هو تعبير عن ضرورة إعمال العقل فيما يرد على النفس من المفاهيم والمعاني والمطالب، ولذا فأول عتبة الاجتهاد أن تعي حقك في الاجتهاد ومساحة اجتهادك وما يلزمك من أدوات، وأن تضمن لغيرك حقه في الاجتهاد، حتى ولو كان ابنا أو موظفا أو مستخدما، وألا تظن أن ضمان هذا الحق للآخرين يضعف طريقتك التي تريد أن تدير بها الأمور لو كنت وليا أو مديرا أو مسؤولا.

تعزيز الاجتهاد في نفوس الصغار والكبار، وتحفيز الجميع على بذل الطاقة في أوسع حدود المستطاع، والسماح لعقلية المجتهد بالنفاذ في الحوار وإبداء الرأي وفي النقد والاعتراض وفي بناء الهياكل وتطوير الأعمال والمشاريع هي الشرط الأول من شروط التنمية المستدامة والاستثمار في الإنسان.

مع الاجتهاد يكون الخطأ مغفورا، ومع الاجتهاد يكون الرأي راجحا ومرجوحا، ومع الاجتهاد نستطيع اكتشاف ذواتنا والآخرين، ومع الاجتهاد نكون أقرب لتحقيق التكامل في إدارة شؤون العمل والحياة المشتركة، ومع الاجتهاد تنمو عقلية العمل الجاد الذي ينفي: عن الجامعات خبث الشهادات والألقاب، وعن الوزارات هيمنة الرتب والمناصب، وعن التعليم روتين الأداء والإنجاز، وعن كل عمل شكلانيته الجوفاء!

مع الاجتهاد تنمو الطموحات، وتزيد المنجزات، ويرتفع سقف المعقولات، كل هذا يمكن أن يكون إذا كان الاجتهاد واقعا معاشا وثقافة مهيمنة، وليس استثناء وحلما لنزر يسير من أفراد المجتمع.

اجتهد الخليل إبراهيم عليه السلام في بناء البيت فاتخذ حجرا يصعد عليه ليتم البناء، فجعله الله آية بينة! واجتهدت هاجر عليها السلام في زم الماء فكانت زمزم بئرا وليست عينا معينا! واجتهد النبي عليه الصلاة والسلام فوافقه الوحي الكريم في مواضع وجاء العتاب في أخرى، واجتهد المسلمون في أمور دنياهم والرسول الكريم بين أظهرهم، واجتهدوا في فهم كلام الله وكلام رسوله وفي كل أمورهم الدينية والدنيوية، حتى غدا الاجتهاد أحد الكمالات البشرية الدالة على رقي الأمة وعلو كعبها بين الأمم، وذم العلماء التقليد وحذروا منه وتبرؤوا من المقلدة واصطلوا بنارهم، ولم تتراجع الأمة في مضمار السباق التنموي إلا بتراجع ثقافة الاجتهاد وهيمنة مظاهر التقليد والتبعية.

ولذا كان من أعظم الجناية على الإنسان أن نضيق عليه في تجربة الفهم والوعي، وأن نصنع منه مسوقا لمفهوم الآخرين واختياراتهم، وأن نحاكمه على أحكامنا ومواقفنا النسبية الاجتهادية!

 

مكة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *