الصغيرة قبل الكبيرة

هبة زهير قاضي

 

معروف عنه الإنجاز في العمل، وقد أخذت شركته موقعها ضمن الشركات الأكثر نموا في هذا المجال مؤخرا، وأصبح ذائع الصيت وأصبحت المشاريع تتهافت عليه. غالبا إن سألت عنه العملاء، سيخبرونك أنه رائع ويرشحون العمل معه بقوة. ولكن إن سألت عنه الموردين، والشركات التي يتعامل معها من الباطن، والعاملين المستقلين الذي يوظف خدماتهم بالمشروع، سيخبرونك بأن مشكلته الكبرى هي البخس في الأسعار، وأنه يؤخر عليهم أموالهم ومستحقاتهم لمدة طويلة جدا.

لطالما كانت تذهب إلى هذه العيادة لإجراء بعض العلاجات التجميلية. وهناك ممرضة معينة تستقبلها بحفاوة شديدة وتقوم بخدمتها باحترافية عالية وأداء ممتاز، ثم تعرض عليها أن تقوم بعمل إجراء إضافي لها كخدمة خارج الفاتورة. ولطالما كانت تقبل بذلك بحفاوة ومن ثم تقوم بمكافأة الممرضة بأن تناولها بقشيشا كريما. ففي كل الأحوال البقشيش أرخص من دفع رسوم الإجراء الإضافي كاملة.

هو شخص شغوف وحماسي وحالما يقابل أشخاصا جددا ويسمع أفكارا جديدة فإن حماسه يزيد ويسارع إلى تشجيعهم ويعرض عليهم المساعدة أو الشراكة، ويضرب لهم المواعيد والوعود بالتمكين، والعلاقات والاستثمار. ثم يعود فينشغل في كثير من الجبهات التي فتحها، والأبواب التي طرقها، وقد نسي تلك النفوس التي علقت آمالها عليه، وتلك الوعود التي تنتظره أن يوفيها وهو غير محيط بها بالمرة.

دائما ما نتفاخر بيننا وبين أنفسنا بأننا وبفضل الله وحمده أشخاص لا يرتكبون الكبائر. بأننا نخاف الله في أرزاقنا ولا نقبل على أنفسنا الحرام بأن نسرق أو ننهب أو نحتال. بأننا لا نظلم الآخرين، أو نبخسهم أو نقسو عليهم أو نسيء معاملتهم (على الأقل عن قصد). أننا قوم نخاف الله، وبأن الناس تحبنا، وبأن التوفيق يحيطنا، وبأن نقد الآخرين وغضبهم علينا ما هما إلا بسبب أننا شجرة مثمرة تحاول الغيرة والأحقاد أن تطالها. وبأن المكدرات والخسائر التي تواجهنا ما هي إلا ابتلاءات من الحسد والعين، أو لأن الله يحبنا ويرغب في رفع درجاتنا. متعامين عن علاقتها بأفعالنا وربما بعدمها. فقد علمتنا مناهجنا ومجتمعاتنا بأن الكبائر هي المقياس الذي نقيس عليه أداءنا الديني. وبأن الرذائل هي الحد ما بين الجنة والنار، وما دون ذلك من معاملات، والتزامات، وأخلاقيات، ما هي إلا أشياء خفيفة ليس علينا أن نشغل بالنا بها، لأن امتناعنا عن الكبائر ونيتنا الحسنة يجبانها جبا.

نعم أنت لا تسرق، ولكنك تبخس وتؤخر. ونعم أنت لا تكذب، ولكنك تعد ولا تفي. ونعم أنت لا تحتال ولكنك تتساهل وتتذاكى. وقد لا تظلم ولكنك تسكت عن الظلم. وقد لا تذم ولكنك لا تمدح. وقد لا تسبب المشاكل ولكنك لا تحلها.

نعم أنت لا ترتكب الكبائر ولكنك ترتكب كثيرا من الصغائر التي تؤدي إلى وقوع المقدار نفسه من الضرر. ونعم معظمنا واقعون في هذه المتاهة من تمييع المصطلحات. ومعظمنا غير واع بتصرفاتنا الصغيرة المؤذية ابتداء من مبلغ صغير أخرته على صاحبه لمجرد أنه في نظرك بسيط. مرورا بعشم بمساعدة أو مقابلة ينتظرها صاحبها باستماتة ولم تف بها لأنه على سلم أولوياتك غير ضروري أو يحتمل التأجيل. وانتهاء بخدمة أو سلعة أخذتها أو استحللتها لمجرد أنك تعتقد أنك ذكي باحتيالك، وبأن ما فعلته لن يؤثر أو يُكتشف.

ولنتذكر جميعا حديث رسول الله في سياق مختلف عن سياق المدرسة، ولندمجه في حياتنا ونقرأه ونستوعبه وكأننا نراه للمرة الأولى «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر».

 

مكة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *