الكرامة الإنسانية!!

عبدالرحمن فلاح

 

الكرامة الإنسانية كرامتان: كرامة هبة، وكرامة استحقاق، أما كرامة الهبة فقد جاءت الإشارة إليها في قوله تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) الإسراء/70.

وأما كرامة الاستحقاق، فقد أشار إليها الحق سبحانه وتعالى في قوله: (يا أيها الناس إنَّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) الحجرات/13.

هذا في معرض الإجمال، فإذا أردنا أن نفصل ما أجملناه، نقول: إن الآية الجليلة المباركة من سورة الإسراء توجه الخطاب إلى بني آدم لا فرق بين مؤمنهم وكافرهم، وبين عظيمهم وحقيرهم، وبين غنيهم وفقيرهم، وبين صاحب الجاه والسلطان ومن لا جاه له ولا سلطان.

إنهم باعتبارهم أبناء أب واحد هو آدم (عليه السلام)، وأم واحدة هي حواء (عليها السلام)، فهم مستحقون للكرامة العامة، والتي هي هبة من الله تعالى لكل بني آدم عن غير استحقاق، ثم بعد ذلك يستطيع كل واحد من بني آدم أن ينمي هذه البذرة التي غرسها الله تعالى في كل واحد من أبناء آدم، فيحولها بجهده وجهاده إلى شجرة ضخمة، بل إلى دوحة عظيمة كلها مثمرة لأن الإنسان الذي ينتمي إلى دوحة آدم (عليه الصلاة والسلام) يتميز عن غيره من المخلوقات بأنه يملك قدرات وإمكانات لا يملكها سواه، فيستطيع أن ينتج من هذه البذرة الصغيرة حدائق ذات بهجة تسر الناظرين، وصدق الله العظيم: (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم) البقرة/261، فانظروا كيف نتج عن حبة واحدة كل هذا الخير العميم لأن صاحب هذا المشروع الاستثماري من الذين يتطلعون إلى العلياء، والذين قال عنهم أبو الطيب المتنبي:

وإذا كانت النفوس كبارًا

تعبت في مرادها الأجسام

وبناة الحضارة والعمران هم من هذه الفئة التي لا تتهيب صعود الجبال، وتجاوز المخاطر، وتبذل جهدها وتتحمل فوق طاقتها، وفوق ما تطيق أجسامها.

هذا تفصيل ما أجملناه عن كرامة الهبة، أما ما يتعلق بكرامة الاستحقاق، فإننا نذكر ما أشار إليه القرآن الكريم في سبيل تحصيل كرامة التقوى، قال تعالى: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين (133) الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين (134)) آل عمران.

وهاتان الآيتان الجليلتان ترسمان للطامحين إلى العلياء معالم الطريق، وتدلانهم على كيفية تحصيل الكرامة الكبيرة، وهي كرامة الإيمان والعمل الصالح، ونيل وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى، وهو وسام التقوى، ومن يقرأ هاتين الآيتين ويتدبر دلالاتهما، سوف يجد الأنوار الكاشفة له على الطريق، التي تعينه وتأخذ بيده لتتجاوز به العقبات، وتيسر له كل عسير، وصدق الله العظيم: (فإن مع العسر يسرا(5) إن مع العسر يسرا(6)) الشرح، وقال العلماء: يستحيل أن يغلب عسر يسرين، لأن العسر معرف بأل، فالعسر الأول هو عين العسر الثاني، أما اليسر فهو مُنكر، والتنكير يفيد التعدد والكثرة.

الله تعالى يعلم، وعلمه مطلق كلي بأن البشر ليسوا سواء في قدراتهم، فهناك من يستسهل الصعب، وهناك من يستصعب السهل، ومنهم من هو في أدنى المراتب، فيرده عن طريقه عود كما يقولون في المثل الشعبي، والمثل يشير في بساطة ولكن بحكمة إلى أن هناك من البشر من يتعلل بأتفه الأمور ليتهرب من المسؤولية حتى ولو كان العذر الذي يعتذر به هو عود تافه يستطيع أن يدوس عليه بقدمه ثم يمضي إلى غايته.

الآيتان العظيمتان تيسران لنا الصعب، ولا تكلفاننا ما لا نستطيع، قال تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم..) الأنفال/60.

الحق سبحانه وتعالى في هذه الآية الجليلة لم يطالب الأمة بما تعجز عنه في الإعداد للعدو، ولم يطلب منها عددا معينا ولا نوعًا مخصوصًا من السلاح، بل طالبها بما تستطيع، وسوف يسد سبحانه العجز كما فعل في غزوة بدر حين أرسل الملائكة تقاتل مع المؤمنين، ونصرهم ببدر وهم أذلة!!.

إذن، نستطيع أن نقول إن تحصيل كرامة التقوى ليس مستحيلاً، فقد يبلغها المؤمن بالقليل، ولو تأملنا التدرج الذي ذكرته الآية المباركة الذي يستطيع من خلاله المؤمن أن يحقق كرامة التقوى، فبدأت الآية بالأمور السهلة الميسرة وهو الإنفاق في السراء، ثم في الضراء، وتدرج من الأمور المادية إلى الأمور المعنوية مثل: كظم الغيظ، والعفو عن المسيء إليك، ثم الإحسان إلى من أساء إليك، وبذلك يكون المؤمن قد حقق كرامة التقوى بالتدرج من السهل إلى الصعب، ومن ثم يشعر المؤمن بأنه قد كسب كرامة التقوى عن استحقاق.

 

أخبار الخليج

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *