أنت الأجمل!

صفاء البيلي

 

للجمال لغة شفافة لا يفقه معناها الحقيقي، ومقصودها العميق سوى أولئك الذين يمتلكون رؤى سامية، تعلو عن النقائص، وترنو إلى درجات الكمال، وتسعى لتحقيق آمالها الطوال التي لا يمكن نيلها إلا بالهمم العالية والأفئدة الواعية، ولا يسبر أغوارها إلا ثلة قليلة من المحبين!

تلك اللغة.. لا يمكنك قراءتها بالعين المجردة ،لأنها لا تكتب بالمداد ولا تسطرها الأيدي على الورق، لكنها تكتب بمداد الشعور، وتحس بعين القلوب والبصائر، وتستجلي بنبض المشاعر الدافئة والأحاسيس الرحيمة، تلك العين هي التي تلون الحياة بألوان الحب والصفاء وتضفي على الكون سمت الرضا والقناعة، ربما لا يمتلك بعضنا جمال الصورة لكن دواخلنا بالتأكيد تحمل في طياتها جمالا خاصا، يمنح الروح ملامح الحياة ويكسوها بالبهجة التي تتقافز عبر ربوع وجدانها معلنة بدء احتفالات الفرح مهما طغت الماديات فستعلو الهامات المنتصرة معلنة في شموخ أن الغلبة والبقاء صارا معا تتويجا  لجمال الروح..

 

الروح..؟!

سر أسرار الحياة

نعم .. سر أسرار الحياة!

فالأرواح جنود.. كما أخبرنا سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، والأرواح معادن، منها ما يشبه الدر ومنها ما يشبه الذهب، الحديد أو النحاس والأرواح مشاعر منها ما يغلب عليه القلق ،الحزن، الخوف، الهلع، البخل، القناعة، السخط، الرضا،  لغضب، الكراهية، أو الحب.

فهل ساءلت نفسك أي روح تمتلكين؟

هل تمتلكين الروح الأسيانة تلك التي تشعر بالحزن يمزق جنباتها ويأخذها في غياهب وظلمات لا تخرج منها لمرورها بحادث عارض أو مشاهدتها لمنظر مؤلم حتى وإن لم يخصها بذاتها؟

أم أنك تحملين بين جوانحك  تلك الروح المشوقة بحب الحياة والمندفعة باتجاه كل ما هو جميل وراق والمنجذبة إلى ما يمنح السعادة فتتزينين بمزيد من الحب والإيمان وتتجهين بثقة بالغة فاتحة أبواب الأمل؟

أم تراك تتوقين لامتلاك مثل تلك الروح المتأملة التي ما تبرح تجد موقفا، أو حدثا صغيرا أو كبيرا، مهما كان أو تافها.. إلا وتستغرق ذاتها في تحليل دوافعه واستبطان نتائجه  لتخرج منه فائزة بحكمة ،قدوة أو مثل؟

أم تتمثلين تلك الروح الشاعرة التي تهيم بالمثاليات وتجرب أقوال الفلاسفة وتسعى لان تصنع عالما “يوتوبيا” وتغرس جنة في الأرض متمثلة أفكارا ورؤى ربما لا تتناسب والواقع، لكنها تسعى للكمال بكل نوازعها الخلاقة.

أم تراك  يا ترى..

تلك الروح القنوعة التي ترضى بما بين يديها ؟ ولا تعمد إلى ما وراءه؟

كل ما تهفو إليه هو أن تعيش يومها ولا تنظر للغيب إلا بعين المطمئن إلى قدر الله غير متلهفة فيما بيد الغير، لا تبحث إلا فيما تملكه بيدها في التو واللحظة، مع قناعتها التامة أنها ملكية وقتية زائلة مهما دامت كما أنها لا تسعى لغير ما تمتلك ، ليس إحباطا أو تقاعسا أو قلة طموح،أو حتى بمنطق الزهد لكنها القناعة والرضا فهل تمتلكين هذه الروح القانعة الراضية؟

أم تراك تلك الروح الحالمة التي تسعى لصيد الكلمات والذوبان في بحور اللغة والبلاغة ، تسعدك المعاني العذبة تخترقك حين يحدثك أليفك وزوجك؟ فتذوبين سعادة وتمنحينه السعادة والهدوء الذي يحرم منه الكثيرون في عالمنا ذلك المليء بالماديات والتناقضات المقيتة؟

أعيذك أن تكوني تلك الروح المتقوقعة على روحها والتي لا ترى إلا نفسها في  مرآتها الصدأة، تصيبها الأنانية ويملؤها الغرور ويقتلها حبها لذاتها  إنها روح معذبة محرومة .. لا مفر لها إلا أن تغتسل بماء الجمال ،المحبة والألق

فالجمال سيمنحها البهاء والتجدد، والمحبة ستهبها روح الحياة ونبضها، أما الألق فهو كفيل بأن يعيد إليها صفاء السريرة ونقاء التوجه.

وأنتِ ..

يا أنتِ ..

يا أنا..

يا نون النسوة..

هل أنت جميلة كما ينبغي لك أن تكوني ؟

بمعنى آخر:

هل تمتلكين روحا جميلة؟

انظري في مرآة نفسك يا حبيبتي:

فإذا كنت تتلمسين طرق الحب الشفيف الراقي وتهرعين إلى رضاء ربك ثم تنسلين إلى قلب زوجك فتشعلين فيه ضرام الحب تقربا إلى الله وسعيا باتجاه محبته ، سيؤول هذا القلب إليك  وحدك من دون البشر لا محالة..

وحينها ستصيرين أنت الأجمل!

وإذا كنت تحتوين لحظات ضعف الآخرين  (زوجك، إخوتك، أبويك، زميلاتك في العمل، جاراتك، أو حتى رعونة صغارك) وأنت في قمة تعبك؟

فأنت الأجمل!

وإذا كنت تصبرين على ضعف نفسك ملتمسة الأعذار لمن حولك محتملة جهل الجاهلين، تنزل كلماتك عليهم بردا وسلاما.. ونفسك مملوءة بالطمأنينة رغم المكاره..

فأنت الأجمل !

ولتتأملي معي..

ذات يوم جاءتني رسالة عبر الجريدة التي أعمل بها وبالرغم من مرور سنوات على ذلك إلا أن مضمون  تلك الرسالة ما يزال عالقا بذهني ، فقد كانت الرسالة لامرأة ذات علم ومال وجمال .. الحق أنها أرسلت لي مع الرسالة صورة لها، فوجدتها امرأة جميلة لكنني أحسست بالحزن يقطر من بين أسطرها، فزوجها تزوج بأخرى لا تمتلك أي مقومات للجمال وأرسلت لي صورة لتلك الأخرى، كان الفرق شاسعا وكبيرا وأبديت حيرتي من تصرف الزوج الذي أرسل لزوجته الجميلة ورقة طلاقها بل وحين نشرت القصة وتبعتها برأيي الذي أبديت فيه تعاطفي مع الزوجة الجميلة والذي بدا أنها مظلومة من واقع رسالتها فصببت بلومي على الزوج،

وإذا برسالة من الزوج يصف فيها كيف كانت تلك المرأة الجميلة تسومه سوء العذاب، وتعامله معاملة العبيد فتتعمد إهانته أمام الأقربين والأبعدين، لا يردعها رادع من دين أو أخلاق ، ولا يوقف تهورها شيوخ أو أطفال بل لا تتورع أن تفعل ذلك معه أمام العمال في مصنعه كما تفعله  في حجرتهما الخاصة.

ثم تتغير لغة لزوج في نفس الرسالة فأحسها تشع نبلا ووفاء وعمقا تفوح طيبا ومسكا وحنانا حين شرع يتكلم عن تلك الزوجة -غير الجميلة – مادحا صفاتها الطيبة وأخلاقها المهذبة ومعاملاتها الخلاقة مع الجميع قلبا وقالبا مثنيا على حسن تدبيرها.

انظري معي .. لقد كتب هذا الزوج بالحرف الواحد :” لقد بعثرني جمال المظهر الخادع، ولملمني جمال الروح ،أهانني جمال الشكل واحترمني جمال الروح وجوهر الإخلاص، جمال المظهر قتل رجولتي أما هذه المرأة ..فقد شعرت معها برجولتي الكاملة!

ثم أردف : يا سيدتي ” إن ما يظنه هؤلاء قبحا فيها ويرونه نقصا.. أراه أنا ..عين الكمال.. يا سيدتي ، ما من امرأة إلا وبها من أبجديات الجمال ما يمن الله به عليها؛ فإما شكرت و نمتها وإما أهدرتها كتلك الجميلة التي ظنت أن شعرها الأشقر وبشرتها البيضاء وعيونها الملونة وما حباها الله به من جمال الصورة سببا سيدعوني لاحتمال حياة لا تطاق ولو قيدتني بعشرة من الأطفال كما كانت تظن!

صدقيني.. لقد مزقت قيودي وانطلقت مع تلك المرأة التي تراها طليقتي غير جميلة ربما يقال أنها غيرة النساء، ولكن ربما يراها البعض أقل جمالا بالفعل ولكنني اعترف لك.. إنها عندي أكمل وأجمل امرأة في العالم.”

إلى هنا انتهت الرسالة ووجدتني أفكر فيما أتى به الرجل من مبررات الجمال الذي حمله على التواصل ودفعه ليتذوق بهجة الحياة.

والحق أقول: إنني وجدت مبرراته تلك من موجبات السعادة، ولكنني مع ذلك لم أتخل عن يقيني بأنه ليس من الضروري أن كل امرأة جميلة الشكل هي قبيحة الروح أو العكس.. بل هناك من تمتلك جمال  أو قبح المظهر والجوهر، فلكل قاعدة شواذ ولكل حكم استثناء.

فيا أنا.. يا أنت.. يا نون النسوة..

إذا كنت ترين الحياة جميلة..

فصدقي مرآة روحك..

أنت الأجمل!

لها أونلاين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *