الكلمة قد تفتح القلوب.. وقد تقتلها أيضاً!

د. عبد الفتاح ناجي

 

يجول في خاطري بعضٌ من كلمات، ولكن ليس كل ما يدور في العقل واجب الانطلاق خارجه عبر لسانٍ، قد يكون كفوّهة مسدس يقتل من أمامه، فواجب المنظومة العقلية في الإنسان أن تضبط الكلمات قبل خروجها، لأن اللسان أداة تنفيذ ولا حول له ولا قوة أمام سلطة العقل. فحكّم ذلك العقل في اختيار الكلمات من حيث شكلها ومضمونها ووقتها قبل إرسالها إلى حيز التنفيذ، فهي إن خرجت لا مجال لعودتها. فقد ورد في أمثالنا العربية «بأن ثلاثة لا تعود إن خرجت: السهم الذي ترك القوس، والكلمة التي هربت، من الفم والرصاصة التي خرقت القلب»، فاحذر قبل إطلاق الكلمة. فقد تخترق قلباً كان ينتظر حروفاً معطرّة برائحة الورد، وليس كلمات محمولة بالسهام والرصاص!

لقد وهب الله سبحانه وتعالى الإنسان نعمة العقل وميّزه بها عن باقي المخلوقات، وجعله مسؤولاً عن تصرّفاته بما ينطق وما يفعل، وأعطى العقل منظومة عمل تسمى العمليات العقلية، وهي آلية عمل «سابقة» للتعبير بالكلمات وليست «لاحقة» فاحرص على التفكير قبل الكلام؛ وهذا أفضل من الكلام الذي سيتبعه تفسير وتبرير لكلمات لم يُعط للعقل فرصة معالجتها، فتمهّل وخذ وقتك قبل كلمات لن تعود إذا خرجت!

نعم، حتى في العتاب والنقد، اختر الوقت والمكان ومضمون كلماتك قبل توجيهها، فقد لا يكون لجغرافيا المكان أو مساحة الزمان ولا حتى لتعبيراتك مكان فيمن تعاتب، فاختر كلماتك وأوزنها قبل توجيهها، ابتعد عن نمط الاتهام والانتقاد؛ فالقلوب بطبعها تنفر من قساوة الكلمات وجفافها، فإن رغبت في العتاب أو النقد البنّاء فابدأ بالكلمات الجميلة والإيجابية حول محاسن من تحادث حتى تفتح قلبه ومن ثم وجّه له كلمات العتاب مغلّفة بأسلوب راقٍ، وحتماً سيكون لها نصيب ومكان في قلب ذلك الإنسان! فالكلمة الطيبة قد تحيي إنساناً وتنعش قلباً أرهقته ظروف الحياة.

نحن اليوم في ظل الانفتاح التكنولوجي الشامل، قد تبدّلت الأدوار وتغيّرت، ومنها أن أصبحت الأصابع بديلاً للسان في إطلاق الكلمات، فعندما تستخدم تلك التكنولوجيا في التواصل كن حريصاً واقرأ بعقلك ولا تنطق بأصابعك، فاحذر ما تتكلم به أصابعك، إن الكلمة إن حملت إساءة أو كانت في غير زمانها ومكانها ستكبر وتتضخّم في قلب من سمعها وتنشر سوادها فتولّد كراهية وحقداً، فالحذر كلّ الحذر من كلمة تخرج من بين شفتيك أو عبر أثير «المواقع الإلكترونية» فتنشر السمَّ، وتفرّق وتهدم.

اختر كلماتك بعناية فهي كما قد تكون «طرباً» لسامعيها، فهي قد تجعلهم يتمنون أن يكونوا «صُمّاً» أيضاً!

 

القبس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *