الروتين الذي يفقدنا متع الحياة

سوسن دهنيم

 

تفرض الظروف على الفرد أن يعيش روتيناً مملاً في بعض الأحيان، روتيناً يحرمه أبسط مظاهر الحياة، فيغدو كمن يعيش ليتنفس، وقد نسي أن الحياة ممتلئة بكل ما هو بارق ومضيء.

في الروتين شلل يفضي إلى العجز الحقيقيّ عن كل حركة، فيعتاد أحدنا على العيش كرجل آليّ، ينفّذ ما برمجه عليه صانعه من غير تغيير أو تطوير أو إبداع، يعرف مسبقاً كيف ستمر ساعته، وكيف سيقضي يومه وما الذي سيتضمنه أسبوعه وشهره وربما عامه بأكمله، ومن يستسلم إلى هكذا حال، لا بد أن كثيراً من الجمال والإبداع والابتكار سيفوته.

وفرق كبير عند من يعرف كل هذا لأنه رسم لنفسه خطة لتحقيق أمنياته وتحويل أحلامه واقعاً من خلال وضع خطوات لتحقيق كل ذاك، خطوات وخطة عمل لا تتسم بالروتين ولا تتخللها لحظات الملل؛ لأنها متنوعة ومزينة بأوقات خاصة تكسر رتابة الوقت من خلال تخصيص ساعات لنفسه يرفّه عنها ويقوم بعمل ما يحب بعيداً عن الأهداف الموضوعة المتعلقة بالعمل أو الدراسة أو الكتابة أو تلك التي تنظم حياته الاجتماعية.

في الروتين قضاء على الإبداع، خصوصاً ذلك المتعلق بالطفل؛ فحين يتعلم الطفل بطريقة روتينية، سيرفض أي تغيير في طريقة تعليمه، ولن يسعى لخلق طرق جديدة ليتعلم ما هو صعب عليه، وحين تكون طرق التعليم بعيدة عن الروتين، ستكون قادرة على زرع حب الدراسة والتعلم داخل كل طالب. وهو ما نلاحظه الآن فيما يسمى بالنشاط الاستهلالي الذي ينفذه بعض الأساتذة في دروسهم، وفي مادة الرياضيات التي أظهرت الكثير من الطرق لحفظ جدول الضرب بعد أن لقنه لنا معلّمونا بالضرب والتهديد والترهيب حتى حفظناه عن ظهر قلب رهبةً لا حباً.

الروتين يتسلل إلى الحياة عن طريق الأكل والعمل والدراسة والتربية والعلاقات الاجتماعية، وحين يدخل عالم الحياة الزوجية، مثلاً، فإنه غالباً ما يقتل الحب فيها أو يصيبه بالشلل أو يدخله سباتاً قد لا يستيقظ منه، ويصيبها بالترهل الذي قد يؤدي إلى الفشل أو إلى أن يحاول طرف أو كلا الطرفين أن يستمر فيها لمجرد الاستمرار وخوفاً من الخسائر التي قد تقع لو أنه قرر قطعها.

هو يصيب حتى شعورنا تجاه الأماكن التي يرتادها أي منا في أوقات فراغه رغبة منه في الترفيه عن نفسه، إن وجد هذا الوقت في خضم مشاغل الحياة التي لا تنتهي ولا تتقلص.

ولأنه لا يقتصر على مجال دون آخر، فإنه حين يحط في أي مجال من مجالات الحياة فإنه سينقض على كل متعها، ويحرم صاحبها من الاستمتاع بالتجديد والتنويع والسعادة التي تكون وليدة لحظة الاكتشاف، اكتشاف ما هو جديد وسهل وممتع ويؤدي إلى ذات النتيجة.

 

الخليج

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *