الذكاء العاطفي.. تعريف نوع جديد للذكاء

معاذ الشحمه

 

“سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ”

– سورة فصلت الآية 53

 

تعريف الذكاء العاطفي

فإن نجاح الإنسان وسعادته في الحياة يتوقفان على مهارات لا علاقة لها بشهاداته وتحصيله العلمي كما يقول دانيال جولمان. ويعرف الذكاء العاطفي بأنه قدرة الإنسان على التعامل الإيجابي مع نفسه والآخرين. وكما يقول ستيفن هيين بأن الذكاء العاطفي هو قدرة الإنسان على التعامل مع عواطفه، بحيث يحقق أكبر قدر ممكن من السعادة لنفسه ولمن حوله. وكما يقول ياسر العيتي بأن الذكاء العقلي يصل بك إلى سقف معين، أما الذكاء العاطفي فيفتح أمامك الآفاق، والعلاقة بين النجاح والذكاء العاطفي علاقة أسية.

وكما يقول تعالى: “قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا” سورة الشمس الآية 9 و10. وكما أكد النبي محمد صلى الله عليه وسلم فقال: “إنما العلم بالتعلم، والحلم بالتحلّم” رواه الطبراني في الكبير. ففي دماغ كل واحد منا منطقة تسمى اللوزة Amygdala وهي لا تسجل فقط كل الأحداث التي نمر بها بل تسجل المشاعر التي صحبت هذه الأحداث. وقال صلى الله عليه وسلم: “يا وابصة استفت قلبك واستفت نفسك ثلاث مرات، البر ما اطمأنت إليه النفس والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك” رواه أحمد في صحيحه.

وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً: “دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الصدق طمأنينة وإن الكذب ريبة” حديث حسن صحيح رواه الترمذي. فإن الحدس مرتبط بعمل هذه المنطقة من الدماغ المختصة بحفظ المشاعر والتي تسمى باللوزة أو Amygdala. ويؤكد القرآن على أهمية الاعتقاد والصورة المتشكلة في العقل الباطن في عملية النصر فقد قال تعالى: “الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ” سورة آل عمران الآية 173 و174.

وكما ذكر دانيال جولمان في كتابه الذكاء العاطفي أنهم أجروا اختباراً على مجموعة من الأطفال وذلك بعرض قطعة من الحلوى “المارشميلو” فإن صبروا ولم يأكلوها حتى انقضاء فترة من الوقت فسيتم مكافأتهم بقطعة أخرى، أما إن تناولوها فلن يحصلوا على أخرى، ووجدوا بأن الأطفال الذين صبروا وحصلوا على القطعة الثانية أنهم عندما كبروا أصبحوا أكثر سعادة في حياتهم، وأكثر نجاحاً في حياتهم المهنية، وأكثر استقراراً في حياتهم الأسرية والعاطفية.

 

وظائف العاطفة

فلقد خلق الله العواطف في نفوسنا من أجل وظيفة معينة، وهي حماية الإنسان من المخاطر والحفاظ على وجوده، والارتقاء بهذا الوجود، فعاطفة القلق مثلاً تدفع الإنسان إن وقع في مشكلة أن يبحث عن حل لها، وعاطفة الخوف وظيفتها أن تبعد الإنسان عن الأخطار، وعاطفة الغضب وظيفتها أن تدفع الإنسان للدفاع عن حقوقه عندما يعتدى عليها، وعاطفة الحب تدفع الإنسان إلى التضحية في سبيل من يحب.

فلكل عاطفة توجد هناك رسالة خلفها كما يقول توني روبنز، فعلينا أن نفهم هذه الرسالة التي تشير بها العاطفة لنا، وألا نقمعها أو نكبتها فذلك يضر بنا ويؤدي إلى احتقان هذه المشاعر التي لا تلبث أن تنفجر في أوقات لا نرغبها، فجدير بنا أن نفهم الرسالة خلف هذه المشاعر. فلا توجد هناك مشاعر سلبية أو إيجابية بل كلها إيجابية لأنها تحمي الإنسان وتنبهه وكأنها إشارات المرور التي في الطريق.

 

العلاقة بين العواطف والسلوك والأفكار

وكما يقول ستيفن هيين بأننا لا نستطيع أن نقرر عواطفنا ولكننا نستطيع أن نقرر ماذا نفعل حيالها، فأنا لا أستطيع ان أقرر متى أغضب أو أخاف، أو متى أقلق، ومتى أحب، ومتى أكره، لكنني أستطيع أن أقرر كيف أتعامل مع خوفي وقلقي وحبي وكرهي، فأول خطوة نحو التحكم في العواطف هو تسميتها. وإن العلاقة كما يقول ستيفن هيين بين الأركان الثلاثة وهي الأفكار والعواطف والسلوك هي علاقة متبادلة ذات اتجاهين، فنحن نستطيع أن نتحكم بعواطفنا وما يطلق عليه بالذكاء العاطفي بأن نتحكم بأفكارنا التي تؤثر في المشاعر، أو أن نتحكم بسلوكنا الذي يؤثر على العواطف.

أما بالنسبة للتفكير فنستطيع أن نغير طريقة تفكيرنا، وإن قلبت لقبلت. فإن غيرنا الصورة الذهنية استطعنا أن نغير الواقع كما قال واين داير فإنك بتغييرك للداخل تستطيع تغيير الخارج. وما أروعه من قول عندما قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم واصفاً التحكم بالأفكار فقال: “يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف” حديث حسن صحيح رواه الترمذي.

وأيضاً في قوله صلى الله عليه وسلم: “عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له” حديث صحيح رواه مسلم. أما إعمال الذكاء العاطفي بين السلوك والعاطفة فيتجلى باتباع سلوك معين من أجل السيطرة على العاطفة، كالمشي والرياضة والتنزه والتسوق وأكل الشوكولاتة وغيرها من السلوكيات التي تستطيع أن تعملها فتسيطر على العاطفة.

 

أهمية التعاطف مع الآخرين في بناء العلاقات الإنسانية

والتعاطف أساس للنجاح في العلاقات الإنسانية فعندما يشعر أحدنا بالضيق لسبب ما، فإنه يجب أن يجد إنساناً يتحدث إليه، ولا شك أنه إذا وجد شخصاً ينصت إليه ويتفهم مشاعره، كما وصفه ستيفن كوفي بإنصات التقمص العاطفي، فإن ذلك سيخفف عنه شيئاً من هذا الضيق.

فإن التعاطف مع الآخرين أي الإحساس بمشاعرهم وإشعارهم بتفهم هذه المشاعر هو من أهم صفات الإنسان الذكي عاطفياً، ويعتمد تقدير المشاعر على ثلاثة أمور، وهي إدراك هذه المشاعر فأنت ترتاح للشخص الذي يراك منزعجاً فيقول لك “أراك منزعجاً بشدة”، وثانياً تفهمها دون الحكم عليها، كقول أحدهم “أدرك تماماً أن هذا الأمر مزعج بالنسبة لك”، وثالثها التعاطف، كقول أحدهم “أدرك وأفهم تماماً ما تشعر به، فقد مررت بهذا الشعور من قبل”، وإن كان تقدير المشاعر هو أكثر ما يريح الآخرين فإن أكثر ما يضايقهم هو أن لا يتم تقدير مشاعرهم، فأولها تجاهل المشاعر كأن تقول لأحدهم “لماذا العبوس، ابتسم”، وثانيها إخبار الآخرين أن هذه المشاعر غير طبيعية، كأن تقول لأحدهم عندما تراه متضايق “أنت حساس زيادة عن اللزوم”، وثالثاً إخبار الآخرين كيف يجب عليهم أن يشعروا، كأن يقول أحدهم “لماذا تحب هذا الإنسان، أنا لا أرى فيه شيئاً يستحق الإعجاب”.

وإن التعاطف مع الآخرين يحتاج إلى استقرار عاطفي، فالإنسان الذي تستهلكه عواطف القلق أو الخوف أو الحزن ينخفض إحساسه بمشاعر الآخرين، ولذلك علينا ألا نلوم الآخرين إذا لم يتعاطفوا معنا إذا كانوا في حالة نفسية غير مستقرة، وإن التعاطف مع الآخرين شرط من شروط القيادة الناجحة، والذين يعتقدون بان القيادة القوية هي التي تدوس على مشاعر الآخرين، ولا تهتم بها مخطئون تماماً.

وكما ذكر دانيال جولمان بأنه أجريت دراسة على الضباط في أمريكا فوجدوا أن أكثر الضباط نجاحاً هم أكثر الضباط قدرة على التعاطف مع جنودهم، وليس هناك تعارضاً في أن يكون القائد حازماً ومتعاطفاً في نفس الوقت. فقد قال تعالى: “فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ” سورة آل عمران الآية 159. وإن الإنسان الذي يجيد التعاطف مع الآخرين يجذبهم إليه، فالناس عادة يبحثون عمن يتعاطف معهم.

 

صفات الإنسان الذكي عاطفياً

فالإنسان الذكي عاطفياً هو شخص يعرف نفسه، ويعرف نقاط ضعفه ونقاط قوته، ويقرأ مشاعره باستمرار، وثانياً يتحمل المسؤولية في علاقاته بالآخرين، وهو إنسان متعاطف، يتفهم مشاعر الآخرين ويراعي هذه المشاعر، وهو إنسان متفائل، لا يشله الفشل ولا تخيفه العقبات بل تزيده تحدياً وحماساً، وهو إنسان يعشق لعبة التغيير، فيتقبل النقد برحابة صدر ويغير نفسه دائماً ساعياً نحو الأفضل، وهو إنسان متسامح، لا يحمل في قلبه غلاً ولا حسداً ولا حقداً. وكما قال تعالى: “إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ” سورة الرعد الآية 11، فتعلم الذكاء العاطفي الذي ينقسم للوعي بالذات وإدارتها، والوعي بالآخرين وإدارة العلاقة معهم، فافهم المشاعر، وكن ذكياً عاطفياً.

 

مدونات الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *