“أكره القراءة ولكن أريد أن أقرأ”

مريم القحطاني

 

بعضنا يعتقد أن الحكمة لا توجد في الكتب وإنما في التجربة الحياتية، أن تعيش وتغامر وتجرب. وهذا صحيح جزئياً ولكن التجربة مهما كانت كبيرة ومتنوعة تظل شخصية، محدودة ومنحازة.

أما الكتب فتوسع الأفق وتسافر بنا وتخترق الحدود، تأخذنا إلى عوالم ما كنا لنصل إليها دونها، وتدخل بنا إلى أرواح وعقول أخرى ونحن جلوس. ناهيك بأن الكتب تحسن طريقة الحديث وتوضح الفرق بين العارف وغير العارف.

والبعض الآخر يحب القراءة كفكرة ولكنه لا يحبها كعملية، ويجد تخطي هذا أمراً صعباً للغاية. هنا بعض الأمور التي قد تساعدنا لنصبح قراء أفضل:

 

أولاً: لا يجب أن “تحب” القراءة لتقرأ

كخطوة أولى، ما ينبغي أن تحبه هو الكتاب الذي ستقرأه. ابدأ بكتب تناسب ميولك واهتماماتك وتتفق مع فكرك وما ترغب في تعلمه، تكون قصيرة أو قليلة الصفحات. قراءة أشياء لا تعجبك ستبعدك عن فكرة القراءة. وإن صعب ذلك قم باختيار كتب شكلها جميل، مصورة، جذابة، وقصيرة.

 

القراءة فعل تهذيب

إذا كنت ملولاً مثلي وترغب في ترك الكتاب في أقرب فرصة، تذكر أن القراءة فعل تهذيب. أنت حرفياً تجلس وتنتبه لتستمع لصوت ليس صوتك، إلى ما يقوله شخص آخر. امنح هذا الشخص الفرصة ليتكلم ويخبرك عن شيء يعرفه، وربما تعرفه أنت أيضاً. كن صبوراً حتى ينتهي من كلامه. وقّت كلامه بالصفحة والفصل.

 

تصارح مع تعلقك بالسوشال ميديا

لأن الهاتف والسوشال ميديا يأخذان حيزاً من الانتباه لا يمكن إنكاره، يجب أن تتصارح مع هذه النقطة. كيف؟ ضع الهاتف على الصامت واتركه بعيداً عنك، في الغرفة المجاورة مثلاً، واتفق مع نفسك أنك بعد عدد معين من الصفحات أو حتى السطور ستذهب وتتفقد هاتفك. بإمكانك زيارة هاتفك مراراً مقابل حصة معينة من القراءة، وهكذا.

 

لا يجب أن تقرأ “بأمانة”

تذكر أنه لا يجب أن تنتهي من الكتاب. قراءة الكتاب من الغلاف إلى الغلاف عمل خارق، والأعمال الخارقة للخارقين. المهم أن تتعرض له، وأن تقرأ منه قدر المستطاع، لأنك بعد أي كم من القراءة أعلم مما كنت عليه قبل القراءة. حتى وإن كانت أفكار تعرفها سلفاً لأنها غالباً تقال بشكل مختلف وأفضل.

القراءة تساعدنا على ترتيب ورؤية أفكارنا بشكل أفضل وأكثر تنظيماً وفصاحة.

 

اتصل بصديق

القراءة نشاط ليس انفراديا بالضرورة، إذا كان لديك صديق تعتبره قارئا جيدا ويشابه ذوقه وذوقك، اطلب توصياته أو اسأله لماذا يقرأ هذا الكتاب وماذا تعلم من ذاك. اتفق معه على القراءة معاً وبهذا يصبح كل منكما مشرفاً متابعاً ومشجعاً لتطور الآخر في القراءة، وبهذا تُفتح أفق ممتعة ومشوقة للحوار.

 

استغل نعمة الكتب المسموعة

يقول الكاتب ستيفن كينغ إن القراءة تحدث بوسائل مختلفة، إحداها سمعية. الكتب المسموعة، أو الصوتية، صعبة في البداية إذا كنت معتاداً على الورقية فقط، ولكن مع الوقت تعتاد عليها بل وتحبها وتفضلها. ممتازة لمن لا يحبون الجلوس المطول، ويفضلون الحركة، أو للمشغولين وأصحاب الوقت الضيق. أفضل طريقة لتزجية الوقت على الطريق هي الاستماع لكتاب. ليس هذا فحسب، الكتب المسموعة تمنحك فرصة قراءة كتب كثيرة في وقت قياسي. وإذا أصبحت من المعتادين على الكتب الصوتية فـ”ستقرأ” الكتاب من الغلاف إلى الغلاف وسيتقلص عدد الكتب المتراكمة التي تنتظرك أن تتكرم عليها بالقراءة أو الإتمام.

 

بعض المواقع المجانية للكتب المسموعة:

لمن يرغب في الكتب الإنكليزية المسموعة إليه LibriVox Recordings الغني بكثير من الكتب العظيمة والمتوفرة مجاناً. يقوم بتسجيلها وجمعها متطوعون. أيضاً إذا كان صوتك جميلاً وقراءتك الإنكليزية واضحة وتحب التطوع مع LibriVox لقراءة كتاب فلا تتأخر، وبهذا تكون مستفيداً ومفيداً.

حتماً هناك الكثير والكثير جداً من المواقع التي توفر صيغاً مختلفة وميسرة للقراءة، ولكنها تظل غير موجودة ما لم نبذل جهداً جاداً في الوصول إليها ومنحها بعضاً من وقتنا. الخطوة الأولى هي أساس التقدم. ابدأ وستصل ولو بعد حين.

 

القوائم ستشجعك على القراءة

حين تنجح في تخصيص نوع وكم الكتب التي ستقرأها ليس الأهم جعلها سنوية أو شهرية، لكن الأهم جعلها كتباً على قائمتك. قم بوضعها في قوائم للكتب المرغوبة والمقروءة. هذا سيساعدك في رؤية نجاحك وإنجازك وسيمنحك شعوراً بالثقة ورغبة في المزيد من التقدم. إذا انتهيت افتخر بنفسك وانشر الخبر.

 

عامل الكتاب كصديق يحتاج زيارتك

لغير المتمرس في القراءة، عليك إحاطة نفسك بالكتب وجعلها في متناول الأيدي، وتذكر أن عليك واجباً تجاه الكتاب الذي بدأته وعامله كصديق له. عليك حق. قم بزيارته وإن كانت زيارة مقتضبة قصيرة، وعامله بأقل مزاجية ممكنة وبنوع من الشعور بالالتزام لأن القراءة المزاجية لغير المتمرس تُفسد أي محاولة تطوير واكتساب للقراءة كعادة أو مهارة حقيقية.

نحن لا نكتسب المهارة من العمل المزاجي المتقلب ولكن من العمل المتسق الواعي.

 

لا بأس في أن تقرأ لسبب سطحي

لاحظ أن أفضل القرّاء هم: الفضولي، خريج الجامعة ومن حرم من التعليم. الفضولي يقرأ لأنه يرغب بالمعرفة والجامعي تدرب واعتاد على القراءة، ومن حُرم من التعليم يحاول التعويض. أغلبنا يقع في واحدة من هذه الخانات. ابحث عن السبب الذي سيدفعك لأن تقرأ، حتى وإن كان “سطحياً” كأن تبدو جذاباً اجتماعياً، لا بأس، فهذا ليس بالسبب السطحي كما قد يبدو. الأهم هو أن تقرأ.

 

اقرأ لشخص آخر

عندما وصلني كتاب رسائل كافكا إلى ميلينا كانت أمي في زيارتي وكنت أريد قضاء وقت معها ومع الكتاب، فقررت عمل الإثنين وجلست وقرأت لأمي الرسائل، ولم أستطع التوقف عن الضحك بسبب تعليقات أمي، ما دفعني لقراءة رسالة كافكا لوالده عليها أيضاً. تلك تجربة وذكريات لا تُنسى.

 

اقرأ بشجاعة

حالما تعتاد على القراءة اسمح لنفسك بأن تتوسع في المطالعة وألا تتمسك بقراءة ما يعجبك فقط ويتوافق مع ما تؤمن به فحسب، لأن الهدف هو توسيع أفقنا. الجميع قادر على إفادتنا حتى من لا نحب أو نتفق معه. اختر الكتب بشجاعة، لا تخف من ردة فعل الآخرين على نوعية الكتب التي تقرأ، كن جريئاً.

أخيراً، القراءة تعلمنا الشجاعة والصبر وتهذيب النفس والتفكير قبل الكلام وتقييم الآخرين وأنفسنا بموضوعية. ستشعر بذلك وبأنك أقوى بعد كل كتاب. القراءة استراحة ونزهة ورحلة، تغذية ذهنية وروحية، ترتقي بك وتؤثر على طريقة كلامك وتفكيرك وجودة حياتك. إن لم تقدم هذه الخدمة لنفسك فلن يقدمها لك أحد.

 

العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *