فنُّ التوازنات…!

منى فهد عبدالرزاق الوهيب

 

تنقسم العلاقات التي يقيمها الناس بعضهم مع بعض إلى قسمين…علاقات قهرية، تفرضها ظروف خارجة عن إرادتهم كالعلاقات بين الأرحام والجيران وزملاء العمل… وعلاقات اختيارية كتلك التي تتم بين الأصدقاء والشركاء. ودلالة العلاقات الأولى أو الأولية على شخصية المرء هامشية، إذ قد يكونون اخوة من نفس الأم والأب، ولكن أحدهم صالح والآخر طالح، أو يكون الأب صالحاً، ولا يكون الابن كذلك. أما العلاقات ذات الدلالات الكبرى فهي العلاقات الاختيارية.

إن العلاقات هي فنّ التوازنات، وإن كل علاقة يقيمها الإنسان مع غيره هي انعكاس لوعيه ومبادئه ومصالحه، ويمكن أن تكون سعة العلاقات الناجحة التي يقيمها المرء مقياساً على نجاحه في حياته الاجتماعية وعلى نشاطه وعطائه في تلك العلاقة، كما أنها مؤشر ودليل على قدرة الإنسان على تمثل واقع الآخرين واستيعابه ثم التحرك في إطاره.

لا تخلو علاقاتنا الاجتماعية من الخلاف، على المستوى النظري والفكري، وذلك لاعتقاد بعض الناس ضرورة استحواذ كل ما هو فاضل وطرد كل ما هو مفضول، وكل من يتوافق معه نظرياً وفكرياً وطرد كل من لا يتوافق ويتفق معه نظريا وفكرياً، وغالبا ينظر المرء إلى أسلوب ووسائل غيره من الناس في التعاطي مع أمور وأحداث الحياة غير صحيحة أو غير مشروعة، أو أنها مجلبة للخراب والهدم.. ومنها الشكوك والظنون المتبادلة حول نزاهة واستقامة الطرف الآخر، ويضاف إلى كل ذلك رواسب الخلافات العائلية والقبلية والنقد الجارح والتفاوت في العادات والتربية والأمزجة والحساسيات النفسية، رغم كل ما ذكرناه إلا أن هناك بعض الآليات والتصرفات والسمات التي تساعد على تحسين العلاقات وتخفيف التوتر فيها… منها إرسال رسالة طيبة كلما سنحت الفرصة، فالإنسان يحتاج إلى تشجيع الآخرين واهتمامهم به حاجة متجذرة في التراث الثقافي والجينات البشرية، برأينا من الضروري أن نحاول استغلال أي مناسبة لنثبت للأطراف الأخرى أننا مهتمون ومتضامنون معهم، ونستطيع أن نساعدهم على بعض أمور الحياة، ولدينا الرغبة في مشاركة الآخرين أفراحهم وأحزانهم وكل ظروفهم…

ومن هذه التصرفات والسمات محاولة اكتشاف الإيجابيات، أي إنسان مهما كان وضعه فله الكثير الكثير من الإيجابيات والفضائل، بل من المستحيل أن تجد إنساناً على وجه الأرض هو عبارة عن مجموعة من السيئات، إن قدرة العقل البشري على اكتشاف السلبيات أعظم من قدرته على اكتشاف الإيجابيات، وعلينا نحن أن نجاهد لنوجهه نحو اكتشاف الخير الكامن في الأشخاص الذين تربطنا بهم علاقات اجتماعية، لا بأس أن نتشاور في خصوصياتنا، إن العلاقات الاجتماعية تظل واحدة وأشبه ببحيرة صغيرة، ما يُلقى فيها يؤثر على العلاقة، لأن من جملة المشكلات التي تنشأ بالعلاقات تحديد دوائر الخصوصيات، فما تعتبره أنت شأناً خاصاً وتجتهد فيه على نحو تراه مناسباً، ينظر إليه الطرف الآخر على أنه شأن عام، ولا يخلو كلا النظرين من شيء من الصواب في أكثر الأحيان، كم يكون جميلا أن تستشير الطرف الآخر في بعض مشكلاتك التي تواجهها، أو تستشيره في بعض الكتب أو الدورات أو البرامج التدريبية التي تفيدك وتعينك على احتواء أو حل المشكلة.

إن السمات والتصرفات والآليات كثيرة وعديدة لا يتسع ذكرها في مقال، إلا أن من الضروري أن تكون علاقاتنا الاجتماعية مبنية على الشفافية والثقة المتبادلة للتخفيف من التوتر الداخلي بين الأطراف، وإن نجاح أي علاقة سواء القهرية أو الاختيارية فهو نجاح وتقدم في مهامك وحياتك عامة. وإن من الكياسة والفطنة ألا نضيّع العمر في طلب موافقة الرأي على مواقف وقضايا لا تقبل بطبعها وحدة الرؤية والطريقة والوسيلة، لا بد من المرونة والتجاوز والتغافل لتستمر علاقاتنا إيجابية طيبة ومثمرة إلى أن يشاء الله.

 

الرأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *