في فلسفة الاستصلاح

محمد حميطوش

 

من أبرز القضايا المعاصرة في الفضاء العربي اليوم فكرة الاستصلاح، وما تجره من جدل ساهمت فيه الحداثة في إعادة قراءة الكثير من الرسوم والأحكام الشرعية، وفق منظور تاريخي بحت يحقق المصالح في تلك الشرطية التاريخية التي أنزلت فيها، الأمر الذي يجعل الحديث عن فكرة الاستصلاح أمرًا ذا بال، خصوصًا لو تعلق الأمر بخرق حكم مجمع عليه، أو ثابت من الثوابت التي تلقتها الأمة بالقبول، أو ما علم من الدين بالضرورة، وعليه لا بد من بسط وتوضيح خلفية فلسفة المصلحة في التصور الذي جاءت به الشريعة ووضعها وارتضاها صاحب الملة.

1- الغرب وفكرة المصلحة:

ترجع أسس فكرة الاستصلاح في الغرب إلى المدرسة الأبيقورية (341- 270 ق. م.)، التي قاربت فكرة المصلحة فكرة أخلاقية تعتمد «اللذة والألم» معيارين للحكم على السلوك البشري؛ فكل خير وفضيلة ومصلحة تكمن في تحصيل «اللذة»، وكل شر ورذيلة وخطأ في وقوع «الألم»، من حيث المبدأ لا يظهر خلل في هذه المقاربة الأخلاقية لفكرة المصلحة، لكن لا بد من معرفة أن التصور الأبيقوري لفكرة اللذة والألم خاضع للتصور الأشمل للوجود واللاهوت؛ فالأبيقورية ترفض أي بعد ميتافيزيقي خارج طور المدرك الحسي، وأبيقور نفسه أنكر فكرة وجود المعنى المطلق المفارق للوجود «الله» (لأبيقور ثلاث رسائل نقلها عنه ديجونس أولها في الطبيعيات، والثانية في الأثار العلوية، والثالثة في الأخلاق)، وعليه فاللذة والألم وما ينتج عنهما من مصالح في التصور الأبيقوري لا تخرج عن معنى «الحس».

وفي مطلع القرن العشرين ظهر في الولايات المتحدة الأمريكية تيار «عملاني» (العملانية أو الذرائعية أو البراغماتية كلها مسميات لمدرسة واحدة تقارب الأوضاع الإنسانية وفق قانون الأثر العملي ذي النفع على البشر) بزعامة الفيلسوف الأمريكي جون ديوي (1859- 1952) الذي دعا إلى تخليص الفلسفة من المباحث التي لا تخضع للتجربة العملية، وقد اصطلح على تسمية تلك الأفكار المتعالية بالأفكار «التراسندتالية»، وقد قارب أي وضع بشري من الأخلاق والأديان والقوانين والأنظمة الاقتصادية والسياسية وفق قانون الاختبار العملي، وبما أن المصلحة من الأوضاع التي يمكن قياس مدى أثرها النفعي على البشر؛ فالمصلحة هي ما يمكن أن يكون له نفع على الإنسان من حيث هو كائن مرتبط بهذا الوجود.

2- شمولية الوجود وفكرة المصلحة:

أنتهي بك عزيزي القارئ الكريم عند كون المصلحة في الغرب تطور مفهومها إلى معنى النفع المرتبط بالوجود الإنساني، هذا الوجود الذي لا ينفك عن معناه الذاتي المرتبط بالمدرك الحسي؛ إذ لا استصلاح فوق هذا الطور من الوجود.

ثم أعود بك هنا إلى القرن الثامن الهجري عند الإمام أبي إسحاق الشاطبي – قدس الله روحه- إذ يعرف المصلحة بقوله: «وضع الشرائع جاء لمصالح العباد في العاجل والآجل».

وفي القرن السابع الهجري يقول الإمام أبو بكر بن القيم، قدس الله روحه: «الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد».

وفي القرن الخامس الهجري يقول الإمام أبو حامد الغزالي، رضي الله عنه: «والشريعة لا تضع حكمًا، ولا ترسم رسمًا، ولا يكون فيه مصلحة عاجلة للمكلفين، أو مؤجلة لهم في ميعادهم».

المدرسة الأصالية قاربت المصالح في الإطار الأشمل للوجود، ذلك الوجود الذي تصورته وجودًا متعديًا طور المحسوس إلى الطور الميتافيزيقي المتعقل «الله، النبوءات، الوحي، الميعاد، الجنة والنار، الميزان ونحوها من سمعيات»، وهذا التصور الأعم للوجود هو ما أكسبه في ذاته «المعنى» و«المعقولية» وأعطى به القيمة للبشر كيانًا مميزًا في الوجود منفصلًا عنه، غير مصادم له، صادرًا «هذا البشر» عن علة متعالية حكيمة لم تتركه لاكتشاف مصيره من ذاته، بل تدخلت في شؤونه بما يكفل له المصلحة والخير المطلق؛ فالصادر عن المطلق مطلق في نفسه، وهنا يظهر جوهر الفرق بين المقاربة الأصالية المستندة لعلة متعالية مطلقة واجبة «الله»، وبين المقاربة الأبيقورية المستندة لعلة نسبية ذاتية «اللذة»؛ فالمصالح المطلقة في التصور الأصالي لا يمكن أن تصدر عن النسبي «اللذة أو أي محدد أخلاقي آخر» بل تصدر عن المطلق الذي عرفنا بهذه المصالح في الوجود ابتداء ثم رتبها لنا وفق قواعد كلية قطعية يقينية، وعليه فلا غرابة في تلك الإضافة لتعريف المصلحة عند شيوخ الإسلام بجعلها مصلحة عاجلة في الدنيا «مشاهدة محسوسة»، ومصلحة مؤجلة «غيبية ميتافيزيقية»؛ فهو تعريف خاضع كما قلنا لهذا التصور الذي أتى عن صاحب الملة تنزه وتقدس عن كل عبث ونقيصة.

3- المصالح دينية وليست بعقلية:

يقول الإمام النظارة أبو أسحاق الشاطبي، رضي الله عنه: «لأن مصالح العباد جاءت عن طريق التعبد فهي ليست بالعقلية حسبما تقرر في موضعه».

قول النظارة إن مصالح العباد جاءت بطريق التعبد حسبما تقرر في موضعه يشير به إلى القضية الفلسفية التي تسأل عن كيفية إدراك وجوه الحسن والقبح للأفعال القائمة في الوجود، وهنا يقرر الشاطبي – رضي الله عنه- أن الإنسان عرف وأخذ بموجب المصالح وفق تلك الخطة التي وضعتها الشريعة التي أنزلها واجب الوجود صاحب الملة؛ وهذا يعني أن أوجه القبح والحسن في الأفعال تعود لحكم الشرع وليس للعقل فيها إلا إدراك الكليات العامة التي لا تكفل له خطة رشيدة في الوجود، والمصالح ما دمنا عرفناها بتعريف صاحب الملة لها وأخذنا منها بالقدر الذي أذن لنا فيه منها فهذا يعني أن تلك المصالح فيها قدر معتبر من التعبد غير مدرك التعليل، فلا يصح فيها قياس، أو استصحاب، أو نسخ «خصوصا لمن يقارب الأحكام الشرعية في أبواب الجنايات والأسرة وفق المنظور التاريخي المتعلق بالشرطية الزمانية التي تحقق المصلحة في تلك اللحظة التاريخية لنزول التشريع»، فلولا تعريف صاحب الملة لنا في نصوص الآي أن القطع في الغالب يردع السارق من العودة لجنايته، أو الجلد يردع في الغالب الزاني من العودة لجنايته، لما تعقلنا وجه المناسبة بين العقوبة نفسها وبين المصالح المترتبة على تطبيقها، كون معنى التعبد هنا شاملًا لتلاوة هذه الآيات والعمل بمقتضاها من تشريعات تكفل تحقيق تلك المصالح التي عرفنا صاحب الملة بها، وهنا يقول مولانا الشاطبي، رضي الله عنه: «وأما تحليل الحرام وتحريم الحلال فمن حق الله تعالى؛ لأنه تشريع مبتدأ وليس للعقول تحسين ولا تقبيح تحلل به وتحرم».

إن المصلحة في التصور الأصالي الإسلامي تعد نقيض التصور الحداثي الغربي؛ فهي مصلحة متعلقة بملة واعتقاد له صفة التعالي ويكسب معتنقه صفة الإلزام والقدسية «والتعبد برسوم الشرع»، والاستصلاح فكرة تندرج في هذا التصور، والحداثي ما يزال يصور المصلحة ككلية مميزة للشريعة مستصحبًا معه الفكرة الأبيقورية، أو الفكرة الذرائعية في مناقشاته وأطروحاته ونقده للفكرة الأصالية عمومًا، والله الموفق.

 

ساسة بوست

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *