مفهوم الاختلاف وكيفية التعامل معه

هيفاء صفوق

 

يسير الإنسان في هذه الحياة بخطوات شجاعة محاولاً قدر ما يستطيع أن يثبت وجوده، منذ القدم حفر الصخر ليكون ابن اليوم. طبيعة الإنسان هي السعي والحركة والتأمل في هذا الوجود الكبير، ومعرفة الحساب ومنازل القمر ونوعية الشهور وتأثيرها عليه في كل فصل، ليس غريباً على هذا الكائن أن يغوص في أعماق الوجود لمعرفة ذاته وكيف يعيش على هذه الأرض الطيبة وكيف يوفر قوت يومه، هو النمط القديم نفسه، لكنه اليوم متطور، مخترع وصل للفضاء بذكائه وصبره واجتهاده عبر العصور.

والبشر مختلفون في الطبائع والشخصيات والرؤى، وهذا من حكمة الله بأن وهبنا عقولاً لها أبعاد مختلفة عن بعضها في كل عصر وفي كل مجتمع وفي كل بيئة صغيرة، هي وحدة مميزة مختلفة عن الأخرى، هذا الاختلاف والتنوع ثري للإبداع والتطور، لأنه عقل متحرك متنقل من زوايا عدة، وأبعاد فكرية وحسية وإدراكية متنوعة تضيف للإنسانية الشيء الكثير. التوقف على فكرة واحدة أو نوع واحد هو الجمود والموت في حد ذاته، التنوع في الفكر والرؤية في الحياة ساعد في تقدم البشرية، ولو كل مجتمع مكث في فكر واحد أو صنيع واحد أو هدف واحد، لانغلق على ذاته وحتماً سيشيخ وينتهي به المطاف في المكان نفسه.

إن هذا التنوع في الفكر والرؤية والطريقة دليل على عدل الله سبحانه وتعالى وحكمته بأن نتعاون ونتبادل الفكر والمعلومات والرؤية ووجهات النظر، سواء أكانت علمية أم اقتصادية أم ثقافية بين بعضنا كأمم لنصنع التكامل الإنساني كوحدة واحدة.

الهدف من هذا التنوع هو التكامل والترابط في بناء الأرض، لذا تم التعارف بين جميع الأمم على مر العصور، والاستفادة من ذلك في التجارة والاقتصاد والثقافة، فأصبحنا ما هو عليه اليوم، لكن للأسف على رغم هذه القاعدة الأساسية في الحياة ما زال بعضنا ضد هذا الاختلاف، سواء أكان في الفكر أم التطلعات أم الطريقة التي يخوضها بعضنا في الحياة، وهذا ضرب من المستحيل بأن يكون الجميع على القدر نفسه من العلم والرؤية والطريقة والأسلوب، الاختلاف حاصل حاصل لا محالة، فهي طبيعة كونية في كل شيء يعتبر فريداً ومميزاً. نعم، هناك سمات مشتركة ومتشابهة، لكنها أيضاً مختلفة لها طابع مميز وفريد كالبصمة، إذ إن كل فرد له بصمة خاصة به دون الآخر.

مهم احترام هذا الاختلاف، والأهم أن نجيد ترتيب الأدوار مع بعضنا، لأننا نحن أمام حقيقة واقعية نعيشها منذ آلاف السنين، أن البشرية لن تنمو إلا إذا وضعت يدها مع بعض وتبادلت المعرفة والمنفعة وترابطت بالحس الإنساني بالمحبة والاحترام، فالكل مكمل بعضه، لا يستطيع مجتمع أو فرد يعيش من دون الآخر وإلا أصاب هذا المجتمع الصدى والتحجر والجمود، وأصاب هذا الفرد الاكتئاب والوحدة، فهذه سنة كونية في كل شيء.

حتى في عالم الذرات على الأرض، في الإنسان في الشجر في المادة الجامدة دقيق جداً، فإنها تتأثر مع بعضها على رغم الاختلاف، تتأثر بالصوت والرنيم والكلام والأشعة والغضب والحب والسلام والحرب، هذه الذرات لها اهتزازات وترددات لها طابع الديمومة والاستمرارية، تجعل كل شيء متحرك يتواصل مع بعضه البعض ويتفاعل أيضاً، مثال الشخص الغاضب عندما يدخل مكاناً فإنه يؤثر في الآخرين؛ فينتقل هذا الغضب للبعض وليس الكل، من كانت تردداته منخفضة فإنه يتأثر، ومن كانت تردداته عالية لن يشعر بشيء، والعكس عندما يدخل شخص مبتهج متفائل فإنه صاحب تأثير كبير وقوي على الآخرين، بل نجد أن معاملاته وخططه وحياته تسير متوافقة مع ما يرغب وكيف، فهو يجذب ما يرغب إليه لأن تردداته مرتفعة وعالية، فدائماً تجده يشع نوراً داخلياً يؤثر في كل شيء، ربما البعض يجهل أن ترابط الأفراد مع بعضهم يتم أيضاً فكرياً وليس فقط سلوكياً أو حديثاً، حتى قوة الأفكار والفكر مترابطة مع بعضها وتؤثر على بعضها على رغم الاختلاف.

لذا، العمق الإيمان بوجود هذا الاختلاف الفكري والثقافي والديني والاجتماعي، لكنه لا يعني الانفصال والابتعاد عن الاحتكاك والمخالطة وتبادل المنافع والمصالح بين الأفراد، بل وُجد ذلك لتكملة الوحدة وترابط البشرية مع بعضها، وهنا تكمن الحكمة في تهذيب النفس وعدم التعدي على الآخر حتى تسمو الروح لخالقها.

 

الحياة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *