احذر القاتل الصامت!

احمد عودة

 

“هل هناك قاتل خفي محترف عَلَي أن احذر منه؟ أو ظهر وبدأت وسائل الإعلام تنشر جرائمه لتحذرنا؟ أو ربما مرض فتاك؟” تطلق على نفسك هذه التساؤلات وتجوب رأسك عُباب من الأسئلة عن هذا القاتل (ما هو؟ أين هو؟ ما هي جرائمه؟ ما هي وسائله في القتل؟) دعني أخبرك بأنه ليس سلاحاً كاتماً أو مرضاً فتاكاً قد ظهر. احذر فهذا القاتل ليس بعيداً وهو قريب منك.. نعم ومني أيضاً، هو قاتل نوجده نحن ونغديه ونكبره ليتسلط علينا أحياناً ليقتل مواهبنا وإبداعاتنا وكل شيء جميل فينا، إنه (الحديث السلبي مع الذات) أو (تدمير الذات).. فهل ساهمت يوماً في دعم هذا القاتل ليحطمك!

كلنا تراودنا أفكار وأحاديث مع ذواتنا تكون سلبية أحياناً بسبب تباريح الحياة، فالإنسان مجبول على الحديث مع النفس. لكن لا يجب أن ندع هذه الأحاديث تُسيطر علينا ويرددها عقلنا الباطن باستمرار. فإننا بذلك نُدمر إبداعنا وذواتنا، فاحذر أن تردد مع نفسك أحاديث تحوي هذه الكلمات “أنا لا أستطيع أن أعمل كذا أمر، أنا فاشل، أنا غير قادر، أنا ضعيف. الخ” فتكرارها يجعل عقلك الباطن الذي هو مسؤول عن العديد من وظائف الجسم يُحّكم خبراتك وفق مبدأ الضعف والفشل.

يُعّرف العقل الباطن أو اللاواعي بأنه: “وعاء داخل مُخ الإنسان يقوم بتجميع كافة المشاعر والأفكار التي يُدخلها الإنسان إليه، ويَظل العقل الباطن محتفظ بتلك الأفكار والمشاعر حتى يقوم بإخراجها إلى العالم الخارجي في أحد الأيام ولكن بأسلوب معين، لكي تعبر عن شخصيته” أو هو: “كناية عن مخزن للاختبارات المترسبة في الحياة”. وهذا العقل مسؤول عن الخواطر والأحلام، وعن مزاج الشخص، إضافةً إلى أنه المسؤول عن تحديد السِمات الحقيقية للشخصية؛ حيث يستطيع الفرد توجيهه باستخدام أسلوب التكرار. إذن فالعقل الباطِن هو الذي يتحكم بعادات الشخص وسلوكياته.

كما أن العقل الباطن هو أساس تصرفاته، وأثبتت الدراسات  أنه يعمل على مدار اليوم كاملاً حتى أثناء فترة النوم، وهو يُؤثّر على وصول الشخص إلى غاياته وأهدافه، وذلك بناءً على طريقة تفكيره؛ سواء أكانت إيجابية أم سلبية. كما يُطلق طاقة كافية تُساعد الإنسان على الوصول إلى هدفه ومبتغاه؛ وذلك عن طريق إزالة العقبات التي تُواجهه. إذن من الوظائف الأساسية لهذا العقل هي: تنظّيم الذّكريات وتخزّينها، العمل كَمحرك للجسم بأكمله، يُعطي طاقة للشخص تكفي للوصول إلى الهدف المرجو، يصنع العادات؛ فتكرار الشخص العبارة من 6-21 مرة يجعلها عادة له.

يكون عمل العقل الباطِن على أحسن وجه في حالتين: الأولى عندما يفكر الشخص كثيراً في أمر مُعين، والحالة الثّانية حينما لا يُفكر بالأمر مطلقاً. لكن الأحاديث السلبية مع الذات ربما تكون مصادرها الآخرون ممن هم في دائرة حياتنا وآرائهم السلبية عنا، وبما  أن عقلنا الباطن مسؤول عن الذكريات فيقوم أحياناً باسترجاع صوت أحدهم ورأيه السلبي عنك فيتردد صوته على مسمعك باستمرار فتصدقه فيثبط عزيمتك ويوقف خطواتك في التقدم في أي مجال تخوضه في حياتك. انتبه فكل هذه الأحاديث تنسيك إيجابياتك وروعتك في الحياة، وتركز فقط على النقاط السلبية فيك، فتذكر أنك إنسان ومعرض للخطأ والفشل ومن الطبيعي جداً أن تُخطئ، لكن غير الطبيعي هو أن تخطأ وتستمر على خطأك.

اجعل نفسك كمدير لشركة ما تعطي الأوامر الصحيحة فقط لِتُنجِح عملك، وكذا هو الأمر عليك أن تعطي الأوامر الصحيحة فقط لعقلك الباطن ليحكم كل خبراتك بشكل صحيح وإيجابي ولا تسمح له أن يردد عليك ما هو سلبي. ولا تخشى أبداً أن تكسر حاجز الخوف أو التردد الذي تحيطك به بعض الأحاديث السلبية، عنك لتنهض من حمأة قد أوقعتك نفسك بها. أخيراً أتمنى منك أن تستفد مما تسمعه عنك من سلبيات وأن تميز بين النقد الإيجابي والسلبي. وأن تتعود ألا تدافع عن نفسك وكأنك متهم، ولا تبرر أفعالك للآخرين وكأنك مجرم، وألا تسمح لمواهبك وروعتك بأن تُقتَل بصمت، إلا بعد معركة حق.

 

مدونات الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *