عالية محمد.. مُنقذةُ مكتبة البصرة التي خُلّدت حكايتُها!

عادل أعياشي

 

قد يقول قائلٌ أن الاحتلال الأجنبي يهدف إلى اغتصاب الأرض والسيطرة عليها، ولكن الاحتلال إلى جانب ذلك يحاول أيضا طمس هوية الأرض التي يحتلها بالقضاء على كل معالم الثقافة فيها ومن بينها المكتبات. احترقت مكتبة البصرة خلال الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 فالتهمتِ النيران أكثر من 50 ألف كتاب من كل صنف ونوع، منها مخطوطات نادرة وثمينة تَحوّل معظمها إلى كومة رماد، ومع كل صفحة تأكلها النيران التي أشعلها الاحتلال مُتعمداً كانت حضارة العراق تُطمسُ وتاريخها يُدفنُ أمام مرأى ومسمعٍ من الجميع.

إلا أن السيدة الفاضلة عالية محمد باقر وكانت أمينة المكتبة آنذاك أبت إلا أن تُضحي بنفسها ومالها من أجل إنقاذ ما تبقى من الكتب والمخطوطات النادرة، فقامت بالمخاطرة بنفسها ونقلها إلى أحد المطاعم المجاورة ثم بعد ذلك نقلتها إلى بيتها الخاص لتكون أكثر أمناً من بطش الإنسان المُتعطّش للتخريب كعادته، وبعد أن عاد بصيص الحياة للبصرة قامت عالية محمد بإعادة الكتب إلى موطنها الأصلي في المكتبة، لتَكتبَ اسمَها خالداً في صفحات التاريخ كسيّدةٍ عظيمة أنقذت تراث بلدها من الاندثار.

هكذا تمكنت عالية محمد من إنقاذ أكثر من 30 ألف كتاب بما في ذلك مخطوط كتاب سيرة محمد عليه الصلاة والسلام الذي يعود تاريخه إلى حوالي 1300 سنة، طلبت من محافظ البصرة وقتها بالسماح لها بنقل الكتب إلى مكانٍ آمنٍ خوفاً من إتلافها بعد اجتياح القوات الأمريكية والبريطانية للبصرة وهروب الموظفين والجنود المكلفين بالحراسة، لكنه رفض في موقف غريب منه، إلا أن عالية أصرت على ذلك لتقوم بمعيّة سكان الحي باستئجار شاحنة كبيرة ونقل الكتب ملفوفة في الستائر ومعبأة في الصناديق إلى مطعمٍ مجاورٍ يُدعى مطعم حمدان يملكه السيد أنيس محمد حيث نجحت في نقل حوالي 70 في المائة من محتويات المكتبة قبل أن تحترق بعد ذلك بشكل كامل في حادثٍ غامضٍ لتندثر الكتب المتبقية.

وعندما وصلها نبأ احتراق المكتبة سقطت مغشيّة عليها وكادت تفقد حياتها إثر نوبةٍ قلبيةٍ حادة لكنها قاومت الموت وصارعت حالتها وتمكّنت بعد مثولها للشفاء من نقل جميع الكتب المخبّأة في المطعم إلى بيتها لتُعاملها كما تُعامِلُ فلذات كبدها، وبعد استقرار الأوضاع نسبياً في البصرة قامت بإعادة الكتب إلى المكتبة المُرمّمة، والعجيب في الأمر أن المكتبة أُعيد بناؤُها من طرف الجمعيات والمنظمات الإنسانية الدولية التي وصلتها عبر الجرائد قصة عالية محمد فقامت بجمع الأموال والتبرعات وتعاطفت بشكل كبير مع تضحيتها لإنقاذ تراث بلدها فتمَّ توظيف هذه الأموال والهبات لإعادة بناء المكتبة من جديد وفتحها في 10 تشرين الأول/أكتوبر سنة 2004 لتعود عالية محمد إلى منصبها أمينة المكتبة.

كانت تضحية عالية محمد كفيلة بأن يُكتبَ عنها الكثير في كل أرجاء العالم وتُؤلّف عنها مسرحيات وبرامج وتعقد معها العديد من اللقاءات الصحفية، فصدر كتابان حول الواقعة في الولايات المتحدة الأمريكية أولهما “تحرير البصرة وإنقاذ كتب العراق” سنة 2004 ثم كتاب “أمينة مكتبة البصرة” لجانيت ونتر سنة 2005 وهو كتاب موجه للأطفال تحوّل إلى مسرحية جابت معظم مسارح العالم.

تصدرت قصة عالية محمد أشهر الصحف العالمية وسردت نيويورك تايمز تفاصيلها على يد المراسلة الأمريكية شيلا، وصيغت على خلفيتها قصص للأطفال مزيّنة برسوم توضيحية في شكل حكاية مؤثرة كتبها رسام الكاريكاتير الأمريكي مارك ألان ستاماتي بعنوان “مهمة عالية: إنقاذ كتب العراق”، ودُرّستْ من الصف الثالث وحتى الصف السابع.

تُعيد هذه الذكرى الأليمة ما وقع لكُتب العراق إبان الغزو المغولي بقيادة هولاكو عندما دمّر كل مكتباتها وأصبح نهر دجلة بلون الحبر من كثرة ما أُلقيَ فيه من الكتب والمخطوطات الثمينة، ولكن امرأةً بحجم علياء محمد أو البطلة الثقافية للعراق كما يحلو لهم تسميتها وقفت سدّاً منيعاً في وجه مجزرة الثقافة العربية والإسلامية المروعة التي نفّذتها أيادي الاحتلال الغاشم دون أن يتحرك العالم العربي للدفاع عن تراثه وتاريخه المحفوظ في مكتبة البصرة العريقة، فوقف موقفَ المتفرج وألسنةُ النار تنهش في حضارته ليُضيف حلقةً جديدةً من الفضائح إلى مسلسل الخنوع المتواصل.

 

مدونات الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *