الحرمان.. أمراض من نوع أخر

يونس خيراني

 

لعل تقدير ما يمر به المرء في مسيرته الحياتية بمعانيها الزوجية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية يعطي في كل مرة مجموعة من التفاسير المقرونة بما مر عليه الإنسان بفترات وحقب تحكي جراحه ومآسيه وآلامه من جهة وتعبر عن أفراحه وأحلامه ومسراته من جهة ثانية كل هذا أمر اعتيادي يدخل في مسار حياة البشر، غير أن الأمر غير الاعتيادي هو أن تحمل صبغايته صفات سيئة وذميمة تفسد ردود أفعاله مع كل من يحيط به.

إن تصرفات بعض الأشخاص تجاه مسائل عاطفية تحتاج حسن التصرف والملاحظة فتقابل بسؤء تقدير وقلة أدب وجفاء قلب قد يكون صنيعها الحرمان العاطفي وهو أخطر مرض يهدد تطور ونجاح العلاقات الزوجية حيث صار الحرمان يصنع من الزوج أو الزوجة شخصان غير طبيعيان يختبئ كل واحد منهما تحت مظلة تارة يكون عنوانها المثالية وتارة أخرى التدين المغشوش وأحيانا عدم الوضوح والمصارحة كل هذه هي عبارة عن أوباء تسبب فيها الحرمان بدرجة كبيرة.

وإن تكلمنا عن الحرمان العاطفي لدى الأزواج فأكيد أنا هناك حرمان عاطفي قبل الزواج أي أثناء بناء الرابطة الزوجية أو ما يسمى بالتعارف هناك كذلك تظهر فروقات وظواهر غريبة لا تحمس لبناء متين وأسري فيفقد الأشخاص بعضهم بمجرد إنصهار وحب شخص لأخر وتيه الأخر عنه أو عدم توظيف ما يجب توظيفه بعيدا عن لغة العلم والثقافة والأدب والحوار لأن هذه اللغات هي صماء إن توافقت مع قلوب جافة لا تتقن فن العلاقات العاطفية المؤسسة والإيجابية.

وبالحديث عن ما يعانيه بعض أفراد المجتمع من إنزلاق أخلاقي واجتماعي في كبرهم عبرت عنه مجموعة من الفترات التي عاشها هؤلاء الأفراد في صغرهم من بؤس وشقاء وحرمان من كل شيء جميل، الأمر الذي عجل بتهور سلوكهم لاحقا وتلفضهم بأقذر الكلمات وإضمارهم الشر لمن يرون فيه منفعة آنية تنسيهم بؤسهم كسرقة ونصب وشتم وتعدي على أخرين وهذا الأمر هو عبارة عن ردود أفعال لما سبق أو يمكن تسميته إنتقاما لما فات، ووقوفا هنا ينصح كثير من مختصي الإرشاد النفسي على ضرورة متابعة الأطفال في الصغر وعدم حرمانهم من اللهو واللعب والمرح والتنزه والسفر.

هذا من أجل صد مرض الحرمان الاجتماعي الذي يكبر من وقت لأخر في عقول هؤلاء الناس، وليس ببعيد أن نرى هذا الداء منتشر بقوة في محيط ليس به أماكن ترفيه ومساحات خضراء ودور تعليم وساحات رياضية وثقافية، بل تجد توسع عمراني رهيب كلما مررت ستشاهد الإسمنت والجدران والسواد بادي على البناءات حتى الألوان مغيبة عن العمران فكيف ستتلون عقولنا وتتنور في ضل هذا التقتيم والسواد ولقد عبر أحدهم قائلا في المجتمعات الحضارية يكون عنوان البحوث علميا بحتا يتحدث عن التنمية والشراكة والفعالية بينما في مجتمعات التيه يكون العنوان مستقا من الواقع وعبر عن مثال له قائلا الجدير أن يكون عنوان البحوث قريبا من واقعنا كتنمية الباطون BETON وتعمير البطون ومعاداة الفنون ثم قال بالدارجة الجزائرية من الصعب أن ينتقل الإنسان من السيق إلى البيار والسيق هو لعبة قديمة جدا تلعب في الرمال لذا يجب أن يكون فيها تمهيد اقتصادي واجتماعي حتى يكون الانتقال طبيعيا دون تشوه وتصنع.

وتجدر الإشارة ونحن نتكلم عن الحرمان أن هناك حرمان مادي أفسد طباع الناس نظرا لعدم تملكهم المال لفترات ثم فتحت عليهم أبواب الخير فرأو أنفسهم مستعجلين بالإنفاق متحيرين من الحياة في لباسهم وكلامهم ونظرتهم للحياة مما زاد في سوء طباعهم وحتى إنحرافهم وتعجرفهم كون أن مبدأ الانتقام دائما حاضر مع النفس وهنا مكمن الداء هو عدم تحمل مسؤولية الحياة وتعلم خصال أن المال محله اليد أي أن النقود هي مستودع للقيم وليس محلها القلب الذي يجب أن يمتلئ بالغنى الحسي حتى إذا إمتلئ الجيب بالغنى المادي لن نشهد فوضى نتاجها الحرمان المادي الهالك، ولعل مرض الحرمان بكل أنواعه مرض فتاك يصعب علاجه كلما وجد من يحتضنه لهذا توجب على كل شخص فهم أن ما نحصده هو من نظير من نقدم له من أسباب فإن ما إستطعنا أن نعيش ببساطة وسعادة وروح فعالة رغم قلة الوسائل فأكيد أننا إن لم نحقق أهدافنا الكبرى سنحتفظ بقيم سلوكياتنا.

 

مدونات الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *