الاختلاف الهادف.. كيف نرتقي بثقافة مجتمعاتنا؟

عبد الخالق منصور

 

يهتم الكثير من المفكرين بمفهوم الثقافة، وخاصة المهتمين بالعلوم الإنسانية، حيث يرون أنها الوعاء الجامع للمعرفة، والفنون، والقيم، والعادات، والعقائد المكتسبة من المجتمع الذي يحيا به الإنسان. ولكن هذا المفهوم لا يشير بالإطلاق إلى اكتساب جميع الأشخاص على وجه الأرض لثقافة موحدة. ففي السابق لعب الدور الجغرافي عاملاً مهمة في تحديد ثقافة الجماعات التي تحيا ببقعة جغرافية معينة، ومن ثم تشابك العامل الجغرافي مع العامل الطبقي خاصة بعد الثورة الصناعية، وقبل ذلك العامل الديني.

إن تشارك العديد من العوامل في تحديد ثقافة المجتمعات خلقت ثقافات متعددة ومتداخلة، تسعى من خلالها كل مجموعة ببرهنة أنها صاحبة الثقافة الأرقى والأفضل والتي يجب أن تسود زعماً أنها صاحبة الصورة الحضارية الأسلم. وقد تجلى التحضر بصورته الحديثة، على هيئة العديد من المفاهيم التي يدفعنا بعض المدعين بالاستنارة إلى تبنيها كما هي، قالب فكري أصم، تدس في ثقافتنا وتغير من عاداتنا وتقاليدنا، بهدف تشكيل فكرنا بطريقة نمطية، منادين برقي تلك التماثيل الفكرية وملائمتها للإنسانية، بل ترتقي إلى أن تصبح مطلب عالمي للرقي الإنساني، لأن تلك الأفكار هي الأجدر -من وجهة نظرهم- على المضي قدماً بالإنسان في ظل التغيرات الفكرية والحياتية والسياسية، بغية الارتقاء بمعتنقي تلك العقيدة إلى حد الكمال.

والمراقب لسلوك المدافعين عن تلك المفاهيم سيلاحظ تناقضاً واضحاً لسلوكهم مع هذه القولبة الفكرية والهندسة المجتمعية التي وضعوها هم بأنفسهم، ونذكر على سبيل المثال، مفهوم الحرية الشخصية “بقولبته الغربي” والذي يعد من أكثر المفاهيم قدسية. حيث يشير مفهوم الحرية الشخصية -على أرض الواقع- إلى المطلق دون حدود فما تراه مناسباً لك شخصياً وضمن نطاق رغبتك وتحت مظلة الديمقراطية يمكنك أن تقوم به، وذلك بافتراض المطالبين بمبدئ الحرية الشخصية ضمن هذا الإطار رشاد جميع أفراد المجتمع وحسن نواياهم، ومن خلال ذلك، ومع مرور الوقت يتم تغييب أحد أهم المفاهيم الإنسانية، والتي هي المصلحة المجتمعية، فإن كان عملك مضر بتكوين المجتمع وثقافته وتناغمه فلا يمكن أن ندع مفهوم الحرية الشخصية المطلقة أن يضر بها.

وجد أصحاب الفكر العقيم والخارج عن الفطرة الإنسانية ضالتهم في هذا المفهوم لنشر أفكارهم المنحرفة بل ودعوا لحمايتهم ومساندتهم ضد الأفكار التقليدية المتحجرة الغير مواكبه لاحتياجات الإنسان المتحضر، على حد زعمهم، ومن تلك الأفكار الشذوذ الجنسي، الإلحاد، الدعارة.. إلخ. فكل شخص يتبنى فكر مختلف يطالبوه بالتحضر من خلال التخلي عن تلك الأفكار التي تعترض مع مفهومهم الشخصي حول تلك القضية، وبذات الوقت يدافعون عن أي شخص يختلف بطريقة تفكيره عن مجتمعه بحجة حرية التفكير وديمقراطية الاختلاف، ففي الحالة الأولى فإن التخلي عما تؤمن به لصالح معتقداتهم يعد تقدماً، وفي الحالة الثانية الاعتراض على الفكر المناقض لطبيعة جماعة ما يعتبر عدم إيمان بمفاهيم التحضر ومواكبته.

فذات الشخص الداعي للمثلية الجنسية بفرض أنها حرية شخصية وظاهرة طبيعية، لا يقبل المحجبات في مجتمعه لأنها تمثل مظهراً من مظاهر التخلف من وجهة نظره. ونستطيع أن نرى هنا عدم تطرقه لمفهوم الحرية الشخصية. وقد أكدت نتائج الاستطلاع الذي قامت به “وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية” بين أكتوبر 2015 ويوليو 2016 أن معظم المسلمين في 15 بلدا من بلدان الاتحاد الأوروبي، على استعداد لتقبل غير المسلمين بشدة، لكنهم غالبا ما يشعرون بالرفض من قبل أغلبية السكان في الأماكن التي يعيشون فيها.

لا نستطيع أن نصف هذه الطريقة بالتعامل مع كل ما هو مختلف بالحداثة، فتقدم الزمن واختلاف الشعوب لا يتناقض مع ما هو أصيل في بناء المجتمعات، والتغيير يمكن أن يكون إيجابياً وضرورياً في فروع الأمور وليس بأصولها، فلا أرى منطقا في دثر المستعمرون الجدد لثقافة وعادات وتقاليد ولغة الهنود الحمر لنصرة الحداثة في ذلك الوقت. لا يمكن أن نستمر دون الإيمان بحق بالاختلاف واحترامه وعدم فرضهم لمفاهيمهم الفكرية على العالم، فذلك لن يُكَون إنساناً مستنيراً قادرً على الاختيار من بين ما يتاح له، بل سيولد أشباه إنسان، يأخذه قطار قوالبهم الفكرية إلى ما يريدون، بعد إيهامه بأنها الوجهة الأسلم.

 

مدونات الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *