المسؤولية.. أن تُغير حياة الآخرين

هالة القحطاني

 

فقد دانيل عمر كلتا ذراعيه في انفجار قنبلة أثناء الحرب الأهلية التي اندلعت في جنوب السودان وحصدت آلاف القتلى وتركت مثلهم من الجرحى، وعلى رغم أن الصبي نجا من الموت بأعجوبة إلا أنه كان محطم نفسياً بسبب شعوره المتعاظم بأنه عبء على كل من حوله.

في الطرف الآخر من هذا العالم، قرأ شخص اسمه مايك بالصدفة قصة دانيال، فكان من الصعب عليه تجاهل الخبر والخلود إلى النوم بتلك السهولة بعد أن شعر بأن عليه أن يفعل شيئا ليغير حياة ذلك الصبي، فقام بتشكيل فريق يضم خبراء في الأطراف الصناعية وعلم وظائف الأعضاء والعلاج الطبيعي، كان من بينهم مخترع اليد الآلية «روبوهاند»، ليغادر الفريق كاليفورنيا إلى جنوب السودان لطباعة يد جديدة لدانيل. حين وصلوا اكتشفوا أن ليس دانيل فقط من فقد ذراعيه، بل كان عدد مبتوري الأطراف في تلك القرية يصل إلى أكثر من 50 ألف شخص فتغيرت الخطة.

من قصة طفل واحد، تم إنشاء أول مختبر من نوعه في العالم للأطراف الصناعية بالطباعة ثلاثية الأبعاد في جنوب السودان، وتم تدريب مجموعة من السكان المحليين على التصميم والطباعة وكيفية تركيب الأطراف، في تحدٍ فريد من نوعه، إذ لم يتعامل أي فرد منهم مسبقاً مع الحاسب الآلي ولم يروا في حياتهم جهاز طباعة ثلاثي الأبعاد من قبل، ولكن من أجل إعادة الأمل لمبتوري الأطراف وتغيير حياتهم في تلك القرية كان لا شيء مستحيلا وتم إنجاز «مشروع دانيل».

لم يفكر الفريق بإعطاء دانيل أو أبناء قريته كرسي أو سرير متحرك، ليبق حبيس إعاقته طوال عمره، ولم يفكروا بإعطائه ألعابا الكترونية أو آيباد يلهو به ويهدر وقته، أو بأخذه في رحلة لمجمع تسويقي، ولم يفكروا بصرف إعانة مؤقتة، بل أعادوا الحركة مجدداً لذراعيه بشكل مختلف.

الإحساس بالمسؤولية هو أقوى حافز للإنسان، يدفعه للتفكير بعمق أكبر لصنع ذلك التغيير اللائق الذي يناسب المجتمع ويخدم البشرية. لذا، يجب أن يكون لدى الشركات والمؤسسات في مجتمعنا وعي كامل عن عمق الدور الاجتماعي الذي من المفترض أن يقوموا به، فعارٌ على البنوك التي وصلت أرباحها البليونة لـ «سابع سماء» ألا تقدم إلى الآن برامج مستديمة تليق بهذا المجتمع وأفراده، عارٌ على التجار وأصحاب العمل والشركات والمؤسسات الكبرى ألا يقدموا مبادرات بأهداف أعمق تغطي الثغرات المهملة في المجتمع، فأغلب ما نراه أخيراً دعايات تلميع وصور تبجل أعمال مسؤولين أقل ما يمكن أن يقال عنها رجعية تعكس مدى سطحية العقول التي تدير تلك المؤسسات، فتجد مسؤولين يقودون حملات مجتمعية بدعايات ضخمة كان من الأجدر أن يتعهدوا بها لطلاب الروضة أو الابتدائي، وليس شركات بذلك الحجم.

عندما تستيقظ يوماً وتشعر بأن تطوير هذا الكون من ضمن دائرة اهتماماتك فتأكد أن هذا الشعور السليم، ينبع من إحساسك الفطري بالمسؤولية، وإن كنت موظفا في شركة تعتمد برامج مسؤوليتها الاجتماعية على تبرعاتك النقدية فذلك لا يعد مسؤولية بل تبرعات خيرية، وهناك عدد كبير من الشركات تعتقد أن دورها الاجتماعي ينحصر في زيارة المرضى وتقديم هدايا يلتقطون معها صورا أمام سرير المريض من دون خجل من التسلق على أوجاع المرض.

وفي العالم تقوم شركات عالمية متخصصة بقياس وتحليل برامج المسؤولية الاجتماعية للشركات الكبرى من خلال مقاييس عاطفية تشمل: قياس المشاعر والاحترام والإعجاب والثقة، ومقاييس عقلانية تتمثل في قياس سبعة عوامل تشمل: القيادة والأداء والمنتجات والخدمات والمواطنة وحوكمة الشركات وبيئة العمل، ويعتمد التقييم لأفضل 100 شركة عالمية على ثلاثة محاور دائماً: المواطنة، بيئة العمل والحوكمة.

والسؤال الذي يطرح نفسه؛ على أي مقياس تُصنف برامج بعض الشركات لزيارة المرضى ودور الأيتام ومراكز ذوي الاحتياجات وحكاية الهدايا الصينية مع صور المسؤولين أثناء تأدية دورهم الاجتماعي المزعوم؟ وإلى متى ستستمر تلك الشركات بممارسة التضليل ببرامج لا تصنع قيمة ولا تترك أثرا في المجتمع سوى انتشار صور المسؤولين مع هداياهم الصينية!

المسؤولية الاجتماعية التي نطمح أن تطلق الطاقة القصوى وتسخر جميع الامكانات والمهارات التي تعلمتها، لتحدث ذلك التغيير الذي يصنع الفرق في حياة الآخرين.

 

الحياة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *