معاملة النساء

أحمد بن حمد الخليلي

 

كم تفشى في الحياة الزوجية من عادات ذميمة ما أنزل الله بها من سلطان، ونصوص القرآن تأباها ولكن الهوى غلب على الناس فأعماهم عن هداية القرآن، وهداية السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، فرسخت فيهم عادات في العشرة الزوجية وفي الطلاق يبرأ منها الله ورسوله، فلا يخفى أن الحياة الزوجية شركة بين الزوجين لأن كلا منهما ربط مصيره بمصير الآخر، لاسيما المرأة التي أسلست للرجل قيادها وسلمت إليه زمامها، فهو المسؤول عنها، وعليه أن يقوم بحسن رعايتها، والحقوق بينهما مشتركة، فلكل منهما على الآخر مثل ما عليه له.

وإنما يتميز الرجل بدرجة القوامة وهذا ما نص الله عليه في قوله: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ)، فهي شريكة للرجل تستحق منه ما يستحق منها، وليست القوامة التي اختص بها دونها إهانة لها أو وسيلة له إلى أن يستعبدها ويذلها، وإنما هي حكمة ربانية ناشئة عن علمه تعالى بفطرته وفطرتها، فالمرأة جياشة المشاعر، سريعة الانفعال، تطغى عليها العاطفة إن هاجت، فتتحكم في كلا جانبي دماغها، ولا تكون قادرة على التفكير، بخلاف الرجل، فإنه وإن هاجت عاطفته تشغل جانبا من دماغه ويبقى الجانب الآخر صالحا للتفكير، فلذلك جعلت القوامة بيده لأنه الربان الماهر القادر على توجيه سفينة العشرة الزوجية في الخط الملاحي السليم بين العواصف الهوجاء والأمواج المتلاطمة الناشئة عن العواطف الرعناء، فلو كانت القوامة بيدها وسُلِّمَتْ مقود السفينة لتحطمت بين هياج العواصف وتلاطم الأمواج قبل أن تقطع أي مسافة.

وهب أن الطلاق كان بيدها فإنها لا يؤمن أن تطلق الرجل لأي خلاف يعرض، وتعض بعد ذلك على البنان ندما، ولا ريب أن الرجل الذي اختصه الله بهذه الدرجة هو حريٌ بأن يرعى خصائص المرأة الفطرية، فلا يندفع إلى التفاعل مع عواطفها وعواطفه إن ألم بها طائف مما يكون بينهما من شقاق وخلاف، فعليه أن يتفادى الطلاق.

وقد بين الله سبحانه أن العشرة بين الزوجين يجب أن تكون عشرة وئام وود وحنان ورحمة، كما يدل عليه قوله تعالى: (وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)، لذلك كان على الرجل أن يعاشرها بالمعروف، كما أن عليه – إن اقتضى الأمر تسريحها لدواعٍ لا بد منها – أن يسرحها بالإحسان كما نص عليه قول الحق سبحانه، فإن أمسك فعليه أن يتفادى كل منكر في علاقته بها، وإن سرحها تجنب كل إساءة في تسريحها.

لقد بين الله سبحانه أن العشرة بين الزوجين يجب أن تكون عشرة وئام وود وحنان ورحمة، كما يدل عليه قوله تعالى: (وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)، لذلك كان على الرجل أن يعاشرها بالمعروف، كما أن عليه – إن اقتضى الأمر تسريحها لدواعٍ لا بد منها- أن يسرحها بالإحسان كما نص عليه قول الحق سبحانه، فإن أمسك فعليه أن يتفادى كل منكر في علاقته بها، وإن سرحها تجنب كل إساءة في تسريحها.

وقد بين الله سبحانه ما ينوء به الرجل من مسؤولية كبرى تجاه امرأته، وأن الرابطة الزوجية تجمع بينهما حتى تكاد تذوب هوية كل واحد منهما فلا تبقى له هوية مستقلة، وإنما يندمجان في هوية واحدة، كما هو واضح في قوله تعالى: (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا) النساء: ٢١، إذ لم يقل: وقد أفضيتم إليهن، لينبه على أن كلا منهما عليه أن يحس بمشاعر الآخر، وأن يقدر عواطفه وأن يرعى هواجسه وخواطره حتى تصفو الحياة بينهما، ويكون قلباهما كقلب واحد، يتدفقان جميعا حبا وانسجاما ورحمة وحنانا، فلا يكون من أحدهما تجاه الآخر إلا البر والإحسان، ثم أتبع ذلك بيان ما ينوء به الرجل من واجب اجتماعي مقدس في حق أهله يسأل عنه بين يدي ربه.

ليت شعري؛ ما هو الميثاق الغليظ الذي لفت الله تعالى انتباه الرجال إليه، وذكرهم بوجوب رعايته؟ ذكر القرطبي أن «فيه ثلاثة أقوال. قيل: هو قوله صلى الله عليه وسلم: «فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله»، قاله عكرمة والربيع. والثاني: قوله تعالى: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)، قاله الحسن وابن سيرين وقتادة والضحاك والسدي. والثالث: عقدة النكاح قول الرجل: نكحت وملكت عقدة النكاح، قاله مجاهد وابن زيد. وقال قوم: الميثاق الغليظ الولد. والله أعلم».

لا ريب أن كل من ذلك عهد موثق ومسؤولية كبرى، ما كان للرجل أن يتهاون بها إن كان يرجو الله واليوم الآخر، وحكى صاحب المنار عن شيخه الإمام محمد عبده: «أن هذا الميثاق الذي أخذه النساء من الرجال لا بد أن يكون مناسبا لمعنى الإفضاء في كون كل منهما من شؤون الفطرة السليمة، وهو ما أشارت إليه الآية الكريمة: (وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) الروم: ٢١، فهذه آية من آيات الفطرة الإلهية هي أقوى ما تعتمد عليه المرأة في ترك أبويها، وإخوتها، وسائر أهلها، والرضا بالاتصال برجل غريب عنها تشاركه السراء والضراء، فمن آيات الله تعالى في هذا الإنسان أن تقبل المرأة بالانفصال من أهلها ذوي الغيرة عليها، لأجل الاتصال بالغريب، تكون زوجا له ويكون زوجا لها تسكن إليه ويسكن إليها، ويكون بينهما المودة والرحمة أقوى من كل ما يكون بين ذوي القربى، فكأنه يقول: إن المرأة لا تقدم على الزوجية وترضى بأن تترك جميع أنصارها وأحبائها لأجل زوجها إلا وهي واثقة بأن تكون صلتها به أقوى من كل صلة، وعيشتها معه أهنأ من كل عيشة، وهذا ميثاق فطري من أغلظ المواثيق، وأشدها إحكاما، وإنما يفقه هذا المعنى الإنسان الذي يحس إحساس الإنسان، فليتأمل تلك الحالة التي ينشئها الله -تعالى- بين الرجل وامرأته يجد أن المرأة أضعف من الرجل، وأنها تقبل عليه تسلم نفسها إليه، مع علمها بأنه قادر على هضم حقوقها، فعلى أي شيء تعتمد في هذا الإقبال والتسليم؟ وما هو الضمان الذي تأخذه عليه، والميثاق الذي تواثقه به؟ ماذا يقع في نفس المرأة إذا قيل لها: إنك ستكونين زوجا لفلان.

إن أول شيء يخطر في بالها عند سماع مثل هذا القول، أو التفكر فيه، وإن لم تسأل عنه هو أنها ستكون عنده على حال أفضل من حالها عند أبيها وأمها، وما ذلك إلا لشيء استقر في فطرتها وراء الشهوة، وذلك الشيء: هو عقل إلهي، وشعور فطري أودع فيها ميلا إلى صلة مخصوصة لم تعهدها من قبل، وثقة مخصوصة لا تجدها في أحد من الأهل، وحنوا مخصوصا لا تجد له موضعا إلا البعل، فمجموع ذلك هو الميثاق الغليظ الذي أخذته من الرجل بمقتضى نظام الفطرة الذي يوثق به ما لا يوثق بالكلام الموثق بالعهود والأيمان، وبه تعتقد المرأة أنها بالزواج قد أقبلت على سعادة ليس وراءها سعادة في هذه الحياة، وإن لم تر من رضيت به زوجا، ولم تسمع له من قبل كلاما، فهذا ما علمنا الله تعالى إياه، وذكرنا به -وهو مركوز في أعماق نفوسنا- بقوله: إن النساء قد أخذن من الرجال بالزواج ميثاقا غليظا، فما هي قيمة من لا يفي بهذا الميثاق، وما هي مكانته من الإنسانية؟».

 

عمان اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *