كن أنت

نزار الحرباوي

 

لا ترهق نفسك بالتفكير في خيارات الآخرين مهما أعجبتك، ورأيت فيها من معالم الجاذبية ما رأيت، حدد خياراتك أنت، وسر باتجاه ما تراه أنت مفيدًا لك في حياتك ومعاشك ومنافع أسرتك ومجتمعك، ودعك من التصنع والتجمل ليقول الآخرون عنك الكلام الجيد، وتحظى بالثناء والمديح، فلا أنت بذلك تنجز، ولا مديحهم يثري واقعك وواقع مجتمعك بشيء، وتخرج من نهاية العمل المرهق صفر اليدين بهوية لا تحمل اسمًا ولا توقيعًا ولا مضمونًا.

تجولت في عدد من دول العالم وتعرفت إلى طبائع من البشر في حلي وترحالي جعلتني أختار هذا العنوان لمدونتي هذا اليوم، لأخاطب من خلالها العقول الناضجة التي تبحث عن الحقيقة والإنجاز، لا سيما في ظل الإعلام المزيف الذي يجعل الواسطة والمحسوبية والمعارف والتزوير والنفاق أحد أهم وسائل النجاح في الحياة، وبغير فيتامين الواسطة لا يمكن تحقيق النجاح أو تحصيل عمل أو الوصول إلى شواطئ الراحة النفسية أو المادية أو الاجتماعية.

كن في عالم الهويات الغائبة والتائهة هوية ذاتية حقيقية، إنسانًا يعرف من هو، وما أصله وما هي بيئته، وما هي حالة مجتمعه بإيجابياتها وسلبياتها، كن سباقًا للفهم والتحليل لا سباقًا في النعيق مع الناعقين، أو ترداد الكلمات والعبارات والمصطلحات بدعوى أن المحيط حولك يرددها، فلا أنت ببغاء ولا أنت ذائب في شخصية هذا أو ذاك، وذوبانك في شخصيات غيرك ظاهريًا وتصنعك الدائم، وتجملك بالشكل واللفظ لن يدوم طويلًا، ولن يحقق مبتغاك، فكل شواهد الدنيا حولنا تنبئنا أن الناجحين هم من تعبوا ودرسوا واجتهدوا وكدّوا لتحقيق أهدافهم، ما بين سهر وتعب، وتحصيل علمي وتجوال معرفي، بنوا من خلاله شخصياهم ومعارفهم وعلومهم وشبكات اتصالهم، ووضعوا لأنفسهم خطة خاصة رأوا أنها الأنسب لهم في ظل واقعهم وتحدياته وفرصه ومهدداته.

كن – أيها الباحث عن غدك – سباقًأ للبحث في ذاتك، تعرف على نقاط قوتك وضعفك، ولا تلهيك النجاحات الباهتة الغبية لبعض الشخصيات السياسية والإعلامية والرسمية وغير الرسمية في واقعنا اليوم، وما كان بخلاف القياس فعليه لا يقاس، وواقع الرشا والواسطات والمحسوبيات الذي نعيش فيه اليوم لا يلغي القاعدة العامة الثابتة: الناجحون يعتمدون على ذواتهم لتحقيق النجاح الحقيقي الدائم، والفاشلون يسابقون الزمن ليظهروا أنهم لا زالوا مسجلين بين الأحياء.

كثير ممن قابلتهم في دورات التدريب والتنمية البشرية، أو خلال الندوات والمحاضرات التي أشارك بها يسألون هذا السؤال بصيغ مختلفة: ماذا تعني دراستنا وتعليمنا في عالم المصالح؟

الحقيقة أنها تعني الكثير، تعني مصداقيتك أمام نفسك، ورضاك عن ذاتك، واستعدادك للواقع والمستقبل بعد أن أجهدت ماضيك بالعمل والبناء، فلا سقف لبيت بلا جدران وأعمدة، وحتى لو صوّر الإعلام والواقع المزيف لك سقوفًا لا أعمدة تحتها فهي وهم زائل، وصورة لا حقيقة لها، فعليك بالتوازن في فهمك كالتوازن في تحليلك، وانشغل باستثمار وقتك بما ينفعك وينفع أسرتك ومجتمعك، ولا تتردد في مشروع إيجابي، أو عمل نهضوي، أو بناء معرفي، أو فرصة للتكوين والتأهيل، فكل ما تضعه في رصيدك سينفعك يوم إفلاس المزيفين.

عندما تمتلك القناعة عن ما حققته بذاتك في حياتك بينك وبين نفسك، أو حتى عند حديثك مع أطفالك، فأنت بذلك صاحب كنز كبير يفتقده كثير من المفلسين، وعندما تتكلم يميز الناس الفارق بين الوهم والحقيقة، بين العلم والجهل، بين الواقع والزور،  فأنت حقيقة بما تملكه، وغيرك من الواهمين الذين كانوا بوصوليتهم وتملقهم ونفاقهم قد وصلوا لمواقع ومناصب كبيرة سيعلمون حجم الكيان الذي تمثله بالقيم والأفكار والمفاهيم وأساليب الطرح والمحاججة، والمجتمع حكَم مبصر بما يحدث ولما يحدث، وصمت الناس عن واقع ما لا يعني أبدًا رضاهم به، فأنت في نظر مجتمعك رصيد المستقبل إذا كنت ممن يحملون لواء القناعة بعد العمل والكسب الجاد.

وكلمتي الأخيرة التي أوجهها للمجتمعات العربية، لا سيما من الذين لديهم كلمة نافذة من خلال وسائل التواصل الاجتماعي أو أولئك الفنانين في مجال الكاريكاتير والرسومات والتصميم عبر الحاسوب، أبدعوا في تركيز مفهوم الحقيقة في مواجهة الباطل، والهوية في مواجهة الهوى، ولتكن أقلامنا وألسنتنا وعقولنا ويراعنا في خندق الانتصار لأصحاب القيم الذين بذلوا الكثير في سبيل ذواتهم في مواجهة أهل المصالح والنفاق والتقلب بين ولاءات الشرق والغرب بحثًا عن مكان في عالم الأحياء.

فإذا أنهكتك مسارات التفكير في هذا وذاك، فاعلم – رعاك الله – أن أول خطوة نحو النجاح أن تنظر في المرآة بحثًا عن الحل، كن أنت لتعلم أين السبيل!

 

ساسة بوست

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *