متى يكون التطوع واجبا؟!

عبدالرحمن علي البنفلاح

 

عظمة التشريعات الإسلامية وسموها أنها لا تحكم فقط الواقع من الأحداث والأقضية، لكنها أيضًا تحكم المتوقع من هذه الأقضية وتلك الأحداث، وهذا يعطي الشريعة الإسلامية ميزة عن غيرها من الشرائع، فالشريعة بهذا المعنى تحمل في مضمونها فقه الواقع وفقه المتوقع، فمثلاً: من فقه الواقع حل مشكلة العلاقة بين الرجل والمرأة، فشرع الإسلام الزواج وحض عليه، وجعل الزواج من امرأة واحدة هو الأصل، وأن الزواج من أكثر من امرأة هو الاستثناء، وهذا الاستثناء هو فقه المتوقع عندما تستجد أمور تستدعي أن يُعَدِّد الرجل فيها، وذلك حين تكون زوجته مريضة ولا تستطيع القيام بواجباتها الزوجية، ويكره الرجل طلاقها ومفارقتها، أو تكون الزوجة عاقرًا وهو يريد الأولاد، وبدلا من أن يطلقها، وتظل من دون زوج أو من دون زواج للعلة التي بها، أو حين يزيد عدد النساء على عدد الرجال بسبب الحروب والحوادث، وتكون هذه الزيادة كبيرة حتى تصبح المشكلة ظاهرة تحتاج إلى حل، فيتزوج الرجل القادر ماليًا وبدنيًا زوجة ثانية وربما ثالثة.

والعجيب أن تنكر النساء هذا الحل الإسلامي رغم أنه يعالج مشكلة يتعرض لها قطاع كبير من النساء اللواتي لم يجدن الزوج (المفرد) لهن، وكأن دعاة تحرير المرأة، والذين يدافعون عن حقوقها يقفون حجر عثرة أمام حل مشكلة النساء اللواتي لا أزواج لهن!!.

إذن فكما أن التعدد حق مباح للرجل من أجل صلاح المجتمع، وحل مشكلات قطاع كبير من النساء، فهو كذلك حق مباح للنساء اللواتي ترملّن مثلا، أو فاتهن قطار الزواج، أو لم يجدن الرجل غير المتزوج ليعفهن، ويصبح من حق النساء اللواتي لا أزواج لهن أن يطالبن بهذا الحق ويدافعن عنه، ومن الواجب على جمعيات ودعاة تحرير المرأة الذين يطالبون بحقوقها ألا ينسوا حقوق شقيقاتهن من النساء غير المتزوجات.

هذا مجرد مثال نقدمه على تحول المباح إلى مستحب وربما إلى واجب في بعض الأحيان، وهذا فيما يخص الرجل والمرأة، لكن هناك قضايا تطوعية جعلها المشرع الحكيم واجبًا مثل الصدقة التطوعية، نجد له واقعًا ودليلاً في القرآن الكريم في قوله تعالى: «وفي أموالهم حق للسائل والمحروم» الذاريات/19.

القرآن في هذه الآية من سورة الذاريات وصف الصدقة التطوعية بـ«الحق»، كما وصفت الزكاة في مواضع كثيرة من القرآن بالفريضة وبالحق، كما في قوله سبحانه: «إنما الصدقات للفقراء والمساكين..» إلى قوله تعالى:« فريضة من الله» التوبة/60، ووصفت الزكاة أيضًا في موضع آخر من القرآن الكريم بأنها «حق معلوم» في قوله تعالى: «والذين في أموالهم حق معلوم (24) للسائل والمحروم(25)» المعارج.

إذن، فالزكاة «حق معلوم» أي معلوم القدر والنوع، والصدقة(المطلقة) حق كذلك للسائل والمحروم، لكن هذا الحق الذي هو في أصله تطوع لا فرض قد يصبح عند الضرورة حقًا معلومًا وواجبًا، وذلك حين لا تفي أموال الزكاة بحاجات الناس، فقد أباح الشارع الحكيم بل أوجب على ولي الأمر أن يأخذ من أموال الأغنياء ما يسد العجز في أموال الزكاة المفروضة.. هنا قد يبلغ التطوع درجة الواجب لأنه وبحسب القاعدة الشرعية: «ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب»، ومعلوم أن في أموال الأغنياء حقا غير الزكاة، ولولي الأمر أن يتقاضاه عند الضرورة من أصحاب الأموال، وعلى الأغنياء ألا يجدوا أدنى غضاضة حين يحتاج إخوانهم من الفقراء والمساكين إلى زيادة نصيبهم من أموالهم لأن الله تعالى قد اختارهم وفضلهم على غيرهم، وساق إليهم حاجات الناس، وفي ذلك خير كثير لهم، حيث جعلهم من أصحاب الأيادي العليا التي نوه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بها فقال:[ يا ابن آدم إنك إن تبذل الفضل خير لك، وأن تمسكه شر لك، ولا تلام على كفاف، وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السفلى] رواه مسلم.

نعم إن المنفقين في سبيل الله تعالى هم أصحاب الأيادي العليا، الذين يعملون قدر طاقاتهم لا قدر حاجاتهم لأن إيمانهم قد بلغ درجة عالية من الإخلاص، فهم يحبون لغيرهم ما يحبون لأنفسهم، فهم كما يعيلون أهلهم وأولادهم، فهم كذلك يكفلون قطاعًا معينا في المجتمع وهم أصحاب الحاجات من الفقراء والمساكين الذين لا عائل لهم، ولا قدرة لهم على الكسب، بل قد تتجاوز هذه الأيدي الكريمة الفقراء والمساكين من المسلمين إلى غيرهم من أصحاب الملل الأخرى الذين يتمتعون بحقوق المواطنة في دولة الإسلام كما فعل الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز (رضي الله عنه) حين أعطى من أموال الزكاة الفائضة المواطنين من أهل الذمة، بل لقد رعت الدولة الإسلامية حقوق الطير حين أمر الخليفة ابن عبدالعزيز بنثر الحب على رؤوس الشعاب حتى لا يقال إن الطير في دولة الإسلام لا يجد ما يأكله!!.

إذن، فالتطوع يكون واجبًا حين تشتد الحاجة إليه، وحين لا يكمل الواجب إلا به، عندها يكون النفل واجبًا، ويرتقي من درجة المباح والمندوب إلى درجة الفرض، وعندها يسمى حقًا يجب الوفاء به، ويجب على أصحاب الحقوق من الفقراء والمساكين ومن هم في حكمهم أن يطالبوا به، ويبذلوا أقصى ما يستطيعون من جهد في سبيل تحصيله وتخليصه من أيدي غاصبيه.

هذه هي عناية الإسلام بأصحاب الحقوق، وهذه هي تشريعاته التي سنها لحماية هذه الحقوق من مغتصبيها الذين بسط الله تعالى لهم الرزق، وندبهم إلى أن يوسعوا على إخوانهم المحتاجين كما وسع عليهم مولاهم سبحانه وتعالى، وأن يكون شعارهم.. «وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان».

إن من كمال الشريعة استيعابها لكل أحوال الإنسان، وأنها استنت من التشريعات ما يستوعب الحالات العادية، والحالات غير العادية، وشرعت للاستثناء كما شرعت للحالات غير الاستثنائية، وهذا من سمات الشريعة الكاملة، وبهذا استحقت الشريعة الإسلامية أن يصفها الحق سبحانه وتعالى بالكمال، قال جل جلاله: «.. اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا..» المائدة/3، والكامل في أصل معناه لا يحتاج إلى غيره، فهو كامل في ذاته مكمل لغيره، ولو تأملنا عديدًا من الآيات التي تضمنها القرآن الكريم، سوف ندرك حقيقة الإسلام، ونجد ذلك في قوله تعالى: «وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون» الأنعام/38، كما نجده كذلك في قوله سبحانه: «إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم..» الإسراء/9.

ونجد ذلك أيضًا في قوله تعالى: «شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب» الشورى/13.

إذن، فخلاصة القول هو: أن من كمال الدين، وتمام النعمة التي أنعم الله تعالى بها على أمة الإسلام أنه جعلهم ورثة الأنبياء والشرائع السماوية، وأنه سبحانه وتعالى قد أكمل لهم الدين وجعل تشريعاته في غير حاجة إلى الاستعانة بغيره، وأن من أدلة كماله أنه شرع للواقع وللمتوقع، وللحالات العادية التي تعارف الناس عليها وللحالات الاستثنائية، فذلكم هو الإسلام.. الدين الكامل والنعمة التامة والخالد خلود الأبد.. الباقي بقاء الزمان وبقاء المكان.

 

أخبار الخليج

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *