متى يغير المجتمع نظرته تجاه المطلقات؟!

باسم محمد حسن

 

الطلاق شرعًا هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين، ولغويًا من فعل طَلَق ويُقال طٌلقت الزوجة “أي خرجت من عصمة الزوج وتحررت”، ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط مناسبة مع الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي “المرأة” إلا أن المجتمع لا يرحم ويحكم على المطلقة بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه، بل ويتطرف المجتمع في نظرته تجاه المرأة المطلقة فيراها في صورة “الأرملة السوداء” التي تغزل شباكها العنكبوتية على الرجال المتزوجون طمعًا في الفوز بأحدهم ولتسترد في نفسها الثقة المفقودة الناتجة عن الانفصال الأول ولذلك تقع “المُطلقة” فريسة سهلة للضغوط النفسية والاجتماعية وتنطوي علي ذاتها رغم أنها في أمس الحاجة للتعافي من آثار العلاقة القديمة..

وبصفة عامة ورغم أن الإحصائيات تُشيـر إلى أن 95 في المائة من حالات الطلاق السبب الرئيسي بها هو الطرف الأول “الرجل” إلا أن المـجتمع مستعد بكامل طاقته وقوته وعاداته وتقاليده التي هي بعيدة كل البعد عن الدين أن يتفهم مشكلة الرجل وبراحة ضمير-منقطعة النظير- سيقدم له الدعم النفسي والاجتماعي حتى أنه يرفض إطلاق لفظ “الرجل المطلق” عليه ويكتفون بأنه رجل والرجل لا يعيبه سوى جيبه، أما المطلقة مذنبة وإن كانت على حق!! وأنا أرفض أن تدُعى المرأة المطلقة بالمسكينة أو يُنظر لها بعين الشفقة والرحمة لكونها تطبق شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما.. فقط أطلب المساواة في النظرة المجتمعية سواء كان المخطئ هو الرجل أو المرأة..

لأن الطلاق يكسر في نفسها الغرور والكبر يبقى فيها جمالها وتظهر روحها الطيبة بشكل أوضح، كما أن الضغوط النفسية التي عانتها ورؤية المجتمع القاصرة أضافت إلي خبراتها الحياتية وأصبحت قادرة على حماية أسرتها وزوجها من هذه التقلبات علي المدى البعيد.

والمتأمل في أحوال المجتمع العربي أيضًا في ذلك الزمان سيرى العجب العجاب فالمرأة أصبحت تحتقر بنات جنسها من المطلقات فترى الأم ترفض وتغضب وربما تعلنها حرب شعواء إذا ما قرر أبنها الارتباط من مطلقة، بل وتراها نقيصة كبرى فهل أنت مبتور القدمين، أو تشتكي من عِلة لتنال هذه الزيجة الغير مباركة علي الإطلاق؟! وعلى الناحية الأخرى ربما يكون لهذه الأم نفسها ابنة مطلقة لكنها تدافع عنها بحجة أن زوجها هو المخطئ وأن الزواج “قسمة ونصيب”، تناقض فظيع في مـجتمع يُحكم أهوائه بدلاً من الإسلام أو كما قال الدكتور مصطفى محمود “إذا رأيت الناس تخشى العيب أكثر من الحرام، وتحترم الأصول قبل العقول، وتقدس رجل الدين أكثر من الدين نفسه.. فأهلا بك في الدول العربية”.

وعلى الناحية الأخرى قد توافق الأم ويرفض الأب والداعي هنا ذكوري بحت يتعلق بنقيصة أخرى وهي “العلاقة الـجنسية” فالرجل إن كان في مجتمع متعفن يحمل من معاول الهدم أكثر مما يـحمله للبناء فإنه يظل مترسخًا بداخله صورة المرأة التي فقدت عذريتها وأصبحت “ثيب” في ليلتها الأولى حتى لو كان ذلك بالحلال وعلى سنة الله ورسوله فإنه لا يستطيع تـخيل هذه القضية على الإطلاق.. وأقول لهؤلاء ربما يكون موقفكم من هذه القضية مبررًا نوعًا ما لكن ولكي نـخرج بـحل واقعي لهذه المشكلة المجتمعية علينا أن نستلهم من الدين أساسًا راسخًا في التعامل مع هذه الحالة تـحديدًا فلقد تزوج الرسول -صلى الله عليه وسلم- من مطلقتين “زينب بنت جحش” و”رملة بنت أبي سفيان” كما أنه تزوج من مات عنها زوجها عليه السلام ولم ير في ذلك حرجًا والوحيدة التي تزوجها في كامل عذريتها هي السيدة “عائشة ” -رضي الله عنها-..

وأود التنويه لو أن الـحب والتفاهم والإخلاص والإعجاب بين الطرفين قائم فإن هذه القضية لا مـجال لها هنا فالمرأة المطلقة إنسانة قبل أن تكون “غشاء بكارة” والأنثى سواء كانت ثيب أو عذراء هي الكائنات التي تضيف إلي الرجل الحياة والحب والجمال.. أما اختصار الـحياة الزوجية في الشهوات ليس واقعيًا فالحب عن شهوة لم ولن يدم طويلاً ..

أخيرًا ورغم أن المـجتمع يري الكثير من السلبيات في الزواج من مطلقة إلا أن المطلقة لديها الكثير لتقدمه فهي الأجدر الآن علي إنجاح العلاقة وتدارك أخطاء الماضي، وأنا أعتقد أن حادث الطلاق أحيانا يزيد من قيمة هذه المرأة ولأن الطلاق يكسر في نفسها الغرور والكبر يبقى فيها جمالها وتظهر روحها الطيبة بشكل أوضح، كما أن الضغوط النفسية التي عانتها ورؤية المجتمع القاصرة أضافت إلي خبراتها الحياتية وأصبحت قادرة على حماية أسرتها وزوجها من هذه التقلبات علي المدى البعيد.. كل هذه المميزات ربما تكون تحت رؤيتنا الفعلية لو أمعنا النظر بعين الضمير والـحكمة قبل العين المـجردة، ووقفنا ندافع بكل ما أؤتينا بقوة عن حقوق المطلقات في حياة جديدة.. الله يعطي الفرصة مرة ومرتين.. لكن يبدو أن المنهج الذي نتبعه هو مقولة عبد الوارث عسر في فيلم “شباب امرأة” لشكري سرحان “الله غفور رحيم.. لكن الـمجتمع مش غفور رحيم يا بني..”.

 

مدونات الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *