«نوستالجيا»

رشا سنبل

 

يواجهنا الحاضر بمسؤليات لم نعتد على تحملها في طفولتنا، وكثيرًا ما ترى أعيننا أوسع مما تحتمل حدقاتها، ليبدأ عدم انسجامنا ورضانا عن واقعنا، فنفتح للماضي أبوابه ليدخل حياتنا ويتربع فيها، يسحبنا إلى عالمه فنتمنى ألا نخرج من بحاره العميقة. وكلما كان حاضرنا مزعجًا نَحِن إلى الماضي ونتكلم عنه بشوق، بل تتسرب كلمات الفخر لوصف أحداثٍ قد تكون بدأت وانتهت قبل مولدنا، أو في مرحلة الطفولة التي لا نعي كافة تفاصيلها. ننظر إلى صورنا القديمة بتنهد ونسهب في الوصف لأولادنا وأصدقائنا الجدد عن أيام السعادة والهناء والرقي، لكننا نتناسى أن مثل تلك الكلمات قد قالها لنا من سبقونا عن حياتهم الماضية، ليلح السؤال أيهما كان أفضل: ماضيهم أم ماضينا؟ ولماذا نغض الطرف عن التفاصيل السيئة التي كانت تسود الماضي ولا ننظر إليه إلا برومانسية حالمة؟ بالرغم من أن هذه الأفكار لن تجعل مضينا في الحياة يسير بشكل أكثر سهولة، بل إنها قد تزيد حياتنا صعوبة، قال الكاتب والروائي الروسي مكسيم غوركي:

 

 قافلة الماضي لن تصل بك إلى أي مكان. لكن ماذا عن الحاضر؟

تسود وتسعد حياتنا كثير من التكنولوجيا فنستخدمها بشغف، لكننا نلعنها في نفس الوقت! لأنها تكشف لنا كيف يسير العالم المتحضر بتفاصيل نتمناها ولا نستطيع الوصول إليها، فتزداد كراهيتنا لحاضرنا، لنعيش في مصادمات يومية بين ما تراه أعيننا في شاشات صغيرة وبين مشاهداتنا الحقيقية الواقعة حولنا في كل مكان ليشتعل العراك، ونتأكد أن حياتنا مليئة بالندوب والتشوهات، وأننا لم نعد نرفل في حماية أحد، وأن قدرتنا على تغيير واقعنا المليء بالأذى شيئًا يبدو مستحيلًا!

يزيد خوفنا ورعبنا من مستقبل غير واضح الملامح، قلقنا من ذلك الحاضر الذي لا نستطيع التحكم أو العيش فيه بسهولة يصبح جاثمًا على قدرة رؤيتنا لأيامنا القادمة والتخطيط لها، كأن أيدينا مكبلة وأرجلنا مقيدة وأعيننا تخشى النظر لسهم الزمن. إن ما يزيد احتمال الفرد لمرارة الحاضر، والتخلي عن التمسك الخاطئ بأهداب الماضي، هو أمله في مستقبل يستطيع السير نحوه، لكن ذلك أمرًا يبدو صعبًا مع ذلك الضباب الذي يخيم على حياتنا، نعيش تحت وطأة العديد من المشاكل لكثير من تفاصيل حياتنا، حتى أصبح شراء بعض أرغفة من الخبز شيئًا قد يكون منغصًا، فنحن لا نحيا حياتنا بترحاب واستمتاع وشغف، بل تمر علينا الأيام ونلهث معها لننتهي منها أو لتنتهي هي منا!

ننظر إلى الماضي برومانسية وللحاضر بكراهية، أما المستقبل فتقفز أفكارنا نحوه إلى الآخرة! فهي ملاذ لمستقبل قد يكون مضمونًا في يد خالقنا بعد يأسنا من البشر، لست ضد فكرة النظر إلى الآخرة في شيء، لكن على ألا تكون بديلًا عن إصلاح الحاضر والعمل للمستقبل، لقد أراد الله لنا أن نمر هنا في المقام الأول، لذا علينا السعي في دنيانا التي خُلقنا من أجل تعمير أرضها. لكن الإحباط المتكرر من انعدام العدالة والفوز بمركز أو مال أو صيت بعد جهدنا المبذول كنتيجة طبيعية في حاضرنا، يجعلنا نزهد في الحياة كلها وينصب فكرنا على الجهة الأخرى، وانتظار الموت، ونفقد أهم ما إراده الله لنا وهو الحياة.

كل نفس ذائقة الموت، لكن ليس كل نفس تذوق الحياة! *ابن الرومي

تظل أفكارنا تتأرجح بين ماض ليس لنا فيه فعل وآخرة في يد خالقها، دون رغبة حقيقية في العيش في الحاضر وإعمال فارق به، لو كان الماضي جميلًا شفافًا لهذه الدرجة التي نتخيلها لكان حاضرنا أكثر إشراقًا، إنها خدعة نكبل بها أنفسنا للغوص في رمال الماضي المتحركة، وإهمال حاضرنا وعدم التخطيط الجيد لمستقبلنا الذي يستحق المزيد من العمل له. ليس علينا أن نحمل أنفسنا ما لا طاقة لنا به، بل أن ننظر فيما نستطيع فعله لتحسين حياتنا، دون تكسير لطواحين الهواء بسيف خشبي، أو القفز فوق النيران المشتعلة، وأن نُصر على المضي قدمًا حتى لو بخطوات بطيئة لنصل لمستقبلنا الذي من حقنا أن نحلم به.

 

ساسة بوست

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *