إن جربنا ماذا سنخسر

ميسون الدخيل

 

خيبة أمل! كم أتضايق من هذه العبارة حين أواجه نفسي، وأجد أنها قد تعرضت لخيبة أمل، وهل نحن محصنون ضدها؟!

إنها تحاصرنا في الوقت الحالي، فإن لم تأت خلال الأخبار والأحداث العالمية، أتتنا الضربة ممن هم حولنا، أو على الأقل في دائرة حياتنا اليومية، بل أحيانا كثيرة من داخل أنفسنا! كيف نتعامل مع خيبة الأمل؟ هل نتركها تدير حياتنا؟ هل نستسلم لها ونتراجع؟

قرأت عن الموضوع مؤخرا، ولسبب وجيه، لأنه عادة لا نبحث إلا إن كان الأمر قد مسّنا من الأعماق، وأنا تعاملت مع آخر خيبة أمل بطريقة جعلتني أعيد النظر في كل تصرفاتي من قبل، حيال أحداث مشابهة، وواجهت حينها بشيء من الضعف قياسا على ما تعلمته حديثا.

ليس غريبا أن يمتد بنا العمر ونحن ما زلنا نعيش ونتعلم، أجد نفسي أنني لن أتوقف حتى تحين ساعتي، ويقضي الله بأن رحلتي على هذه الأرض قد انتهت، وعليه أود أن أشارك بما وجدته، فقد تساعد من يعانون خيبات الأمل، ويحملونها ثقلا يجرهم إلى عالم التشويش، وعدم اتخاذ قرارات قد تكون مهمة وحيوية بالنسبة لهم.

في الماضي، عندما كنت أصاب بخيبة أمل، قد أبتسم وأمارس حياتي بطريقة عادية، ولكن تبقى مشاعري متأججة وفكري مشتعلا، كيف؟ ولماذا؟ وأين؟ ومتى؟

ويتحول رأسي إلى شكل علامة استفهام، أحمل السلم بالعرض وأبدأ حربي، وكثيرا ما كنت أجد أن حربي كانت مع نفسي، وأنا التي كنت الخاسرة!

ولكن… مؤخرا، حدث لي ما لم أكن أتوقعه! بدلا من أن أنغمس في التساؤلات وأبحث عن الإجابة، وبدلا من إعطاء الأمر رخصة كي ينكّد علي ويغرقني في حالات من الحزن والضعف، قررت فجأة أن أتجاهله تماما، بل وضعته في ملف ونحّيته إلى جانب مقصيّ من الذاكرة، وأكملت حياتي بكل أريحية.

نعم، في بادئ الأمر تألمت وحاولت أن أجد مخرجا، ولكن وجدت أن الطرق جميعها مسدودة، هنا شيئا ما حدث لي، كمن استيقظ من حلم فجأة وأدرك أنه سيضيع شيء مهما من بين يديه! إنها حياتي! إنها سعادتي!

ببساطة، خرجت من غرفة الظلام، وأغلقت الباب خلفي بالمفتاح، ورميته في زاوية النسيان! لقد وجدت أنني طوال إجازتي لم أفكر مرة واحدة في الأمر، ولم أسمح له أن يعكر عليّ صفو أيامي الجميلة التي قضيتها، والآن بعد أن عدت خلعت الباب ولكن هذه المرة أدخلت معي مشعل النور، وأنا مصممة مسبقا على أن أتعلم مما حدث، دخلت صافية الذهن مسلحة بطاقة إيجابية ضخمة، تكفي أن تدفعني سنوات إلى الأمام! وبدلا من أن أركّز على السلبيات، قررت أن أركز على ما يمكن أن أتعلمه، ولن أخرج من الأمر خالية الوفاض!

كم مرة سمعنا مثل هذه الأقوال تحاصرنا: توقعاتك عالية، تأخرت وفاتك القطار، وضعت أهدافا عالية لا تستطيع تحقيقها، لست كغيرك يعرفون من أين تؤكل الكتف، لم تعطهم ما يريدون أن يسمعونه، فكيف تتوقع أنهم لن يبحثوا عن طريقة ترضي كبرياءهم المجروح.

كان من الممكن أن تدور حول الحقيقة، لا تنفيها أو تزوّرها، ولكن لا تظهرها على الأقل! ولكن إن فكرنا في الأمر من زاوية أخرى، نجد أنه لماذا نعطي الأمر أكبر من حجمه، إنه مجرد درس، إما تتعلمه أو تعيش تحت وطأته!

حين تنتقل إلى المسطح التالي من الوعي، تجد أن الأمر بسيط للغاية، حدث مقدر له أن يكون من العلي القدير، وكل ما يأتي من جل جلاله دروس لنا لنتعلم منها، وماذا نفعل نحن؟ نعاند! نريد أن يكون الأمر كما أردنا له أن يكون!

أنت قمت بمجهود، وقد تكون قمت، حسب علمك عن ذاتك، بكل المطلوب واتضح فيما بعد أنه غير كاف، أو لسبب ما لم ينجح، فهل تستسلم لخيبة الأمل؟ وبماذا ستفيدك؟! لا تصغ لمن يحاول أن يفهمك بأنك وضعت معايير عالية، لو هذه المعايير العالية لما تقدمت الإنسانية أصلا! يريدون التخفيف عنك، وهم لا يدركون بأنهم يغرقونك في مشاعر سلبية قد تتسبب في توقف مسيرتك إن لم تقض عليك!

لا يوجد خطأ في أن تتوقع كثيرا من نفسك، وتعمل في إطار ذلك، فالحياة تَقدُم وتحديات ومواجهة وفشل ومحاولات وتعثر، هذا ما يجب أن تتوقعه أيضا، أن تتوقع التعلم في كل خطوة من حياتك، هذا التعلم الذي سيتعدى مشاعر خيبة الأمل، ويضفي عليها لذة العلم، فتتحول إلى إيجابيات تدفعك دائما إلى الأمام، وأنت تعلم يقينا أن ما تقدمه لن يكون الأفضل، وأنه سيكون دائما هنالك نقاط تحتاج المراجعة والتعديل، فأنت «متعلم» وهذه الصفة إن تمسكت بها ساعدتك كثيرا، ليس فقط في تعدي خيبات الأمل بل في تطوير وإعادة إنتاج نفسك، والكمال لله سبحانه وتعالى، وعليه لا يمكن أن تقدم عملا مستوفيا كل المتطلبات لدرجة الكمال بلا أي نسبة من النقص!

لننظر إلى الأمر هكذا: إن آمنت بأنك لن تصل إلى الكمال، لن تصاب بخيبات الأمل إن تعثرت، بسببك أو بسبب غيرك، لأنه لا بد أن هنالك سببا، قل في نفسك: سأتقدم وأعمل وأركز وأتعلم وأتدرب وأبدع، وخلالها سأقدم أعمالا، وبما أنها خلال مسيرة فهي خاضعة للتعلم، للصواب والخطأ، كان ذلك مني أو من غيري، وإن لم يتم لي ما أردته، لن أيأس وأتراجع وأضيع وقتي في مشاعر خيبات الأمل، بل سأعيد دراسة الوضع لأتعلم منه وأكمل، لتعلم أن هنالك أسبابا كثيرة قد تجعلك تشعر بخيبات الأمل، مما يجرك إلى الشعور بالتشاؤم، بالندم، بالغضب، بالحيرة والتشتت، هل أي منها يخدمك؟ أبدا! إذًا بدلا من أن نسمح لها بأن تعكر صفو حياتنا ومسيرتنا، نتغلب عليها بإعادة تدويرها وتحويلها إلى مشاعر رضا وإثارة، إثارة بماذا؟ الإثارة التي تنشغل بها وأنت تقوم بالتعلم!

إن امتلاك عقلية التعلم تحميك من مشاعر السلبية التي تحملها إليك وتتحكم بوعيك وبتصرفاتك.

والآن، وقد وصلتم إلى نهاية المقالة، اسمحوا لي أن أسأل: إن جلستم إلى أنفسكم بعد أقرب «خيبة أمل»، ما الدروس التي ستخرجون بها؟ وإن غيّرنا الاسم من «خيبة أمل» إلى «حالة تعلم» وتعاملنا معها على هذا الأساس، هل ستتأثر المشاعر؟ هل ستتأثر ردة الفعل؟ وإن جربنا… ماذا سنخسر؟.

 

الوطن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *