سامح وابتعد

دلع المفتي

 

المسامحة قيمة إنسانية إيجابية راقية، لا يقدر عليها الكثيرون، فهي تتطلب طاقة كبيرة على التجاوز، ودرجة عالية من النضج والنبل والسمو الأخلاقي، والأهم من كل ذلك قلباً كبيراً ليعفو وذاكرة سمكة لتنسى.

أن تسامح من أخطأ بحقك، أن تغفر لمن آذاك، لا يعني بأي حال من الأحوال أنك ضعيف إلى درجة القبول بالإساءة، ولا يعني أنك تهاونت عن المطالبة بحقك، ورضيت بالظلم، بل يعني أنك قادر على تحرير روحك من الآثار المدمرة للغضب والحقد والضغينة، فتمسكك بغضبك وحقدك ضد من أساء إليك يمتص طاقتك، ويفسد عليك متعتك بالحياة، ويؤثر على جسدك وعقلك، فأنت تسامح لأجلك ذاتك، لا لأجل المخطئ، وأنت تسامح كي تتخلص من المشاعر السلبية التي تثقل كاهلك، وما يراودك من خطط للانتقام لتحلق خفيفاً كطير طليق.

ولكن هل المطلوب هنا أن «تكبس على الجرح ملح» وتبتسم كأن شيئاً لم يكن، وتستعيد علاقتك المجروحة بابتسامة زائفة؟!

تقول الشاعرة الأميركية، مايا أنغلو، إن أهم ما يمكنك فعله لنفسك هو أن تسامح. لكن المعنى الحقيقي للتسامح لا يعني أن أسامحك وأعزمك على فنجان قهوة، هو أن أسامحك وأنتهي منك. التسامح لا يعني أن تعود المياه إلى مجاريها مع من اختلفت معه، ولا يعني أن تنسى ما حدث، بل أن تنتهي ممن أساء إليك، وتتركه يرحل.

نعم.. اترك الآخر يذهب، ونظف جرحك بالنسيان.

كيف تسامح:

اتخذ قراراً بالتخلص من كل المشاعر السلبية والحقد الذي يعتمل في قلبك، صفِّ قلبك.

اعط المسيء فرصة لكي يعتذر، ثم اقبل اعتذاره وغادر.

اعترف لنفسك أو لصديق مقرب بأنك تحمل ضغينة وناقشه بالأمر، ربما في النهاية تكتشف أنك أنت المخطئ.

لا تتذكر التفاصيل، المصيبة في التفاصيل. امنع نفسك عن استرجاع المشكلة أو الحوار الذي دار بينكما.

حاول أن تتذكر محاسن الشخص المسيء إن وجدت، فهذا يخفف من أثر إساءته عليك.

تحكم بغضبك، فالغضب يعمي النفوس.

أخيراً، إن لم تستطع أن تسامح لأجلك ولا لأجل الطرف الآخر… فافعل ما قاله أوسكار وايلد: اغفر لأعدائك دائماً، لا شيء يغيظهم أكثر من ذلك.

بقي السؤال: الربّ يسامح، الناس قد يسامحون، لكن كيف تسامح نفسك على ما أخطأت به بحق نفسك؟

 

القبس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *