العيش بين الواقع والخيال

ماهر العتيبي

 

في حياتنا «الواقع مقابل الخيال»، فالواقع هو العالم المرئي من حولنا وكل ما تعاينه حواسنا الخمسة وتدركه، وأما الخيال فهو العالم اللامرئي الداخلي الخاص في كل إنسان فينا، والواقع عالمٌ واحد وحدث واحد، ولكن عوالمنا الداخلية كثيرة مختلفة؛ فكل واحد منّا له عالمه الخاص، والواقع عالم محدود له قوانينه وبه أناس كثر يشتركون فيه معي، وتضيق به أحيانًا نفوسنا، بينما عالم الخيال فهو واسع بلا حدود، لنا وحدنا، نرسم ونتخيل به ما نشاء دون حسيب أو رقيب، وهذا ما يضطرنا للسؤال الآتي: ما هي العلاقة بين الواقع (العالم الواحد المحدود) والخيال (العوالم الكثيرة اللامحدودة)؟ في الحقيقة العلاقة بين العالمين يجب أن تكون متوازنة والتوازن لايعني التساوي، وعلينا ألا ندع الخيال يأكل من واقعنا، وألا نسمح له بأن يتمدد على حسابه، ولأننا أحيانًا يضيق بنا الواقع ذرعاً، لا نجد إلا الخيال متنفسًا وهذه الفسحة الخيالية لا تضر ولكن استمرارها يضر، ومن ثم إذا أصبحت هي الأصل على حساب الواقع هنا المشكلة.

ما كنت قاصدًا أن أقدم بمقدمة فلسفية، فليست مقصودة بذاتها، ولكن ما أحببت أن أصدمكم أننا كلنا ننزع نحو العيش في الخيال بطريقة أو بأخرى وذلك لأسباب كثيرة منها التغيرات الاجتماعية التي طرأت على إنسان هذا العصر وطريقة العيش وميوله نحو الوحدة والتفرد، فلكل منّا نصيبه، ولست بقولي هذا أعمم أو أبالغ، فبقدر ما نشعر بصعوبة الواقع وقسوته، نختلق لنا قصصًا وهمية وحكايات خيالية، «فحياة الواقع» تعبر عن مجموعة من الأحداث والمواقف التي نمر بها، وحصيلة من التجارب والخبرات التي نعيشها، فحين تواجهنا تجربة قاسية أو موقف صعب، فإن عقلنا ينزع من تلقاء نفسه نحو «حياة الخيال» ليخترع قصة روائية منطقية تبرر ما حصل وبأننا لسنا المخطئين أو المقصرين بل الظروف والآخرون وكل شيء خارج وبعيد عن النفس وذلك ليبعد عنا التهمة بأننا المقصرون وبذلك لايسمح لنا حتى أن نتقبل التجربة أو الموقف ونتعلم منها دون اتهام أحد أو لومٍ أنفسنا، وبقدر ما نسترسل في أوهامنا وقصصنا المتخيلة، بقدر ما نبتعد عن واقعنا الذي من الممكن أن نخرج منه كليًا ولا نستطيع الرجوع إليه.

وقد تكون هذه القصص الوهمية التي يخترعها عقلنا موجودة في جانب واحد أو أكثر من جوانب حياتنا, سواء في مجال العلاقات أو العمل أو في فهمنا للحياة بشكل عام، ومن الغريب أنها تعمل عمل المخدر والذي لا يفيد مع تسكين ألمنا سوى في تراخينا والحد من قدراتنا، ومع ذلك نحملها معنا لباقي حياتنا، فالعيش في هذه القصص وتصديقها يحول بيننا وبين نجاحنا وتقدمنا بشكل عام، ويقلل من سعادتنا واستمتاعنا في الحياة، وسيأخذ الكثير من طاقتنا وجهدنا وتفكيرنا، وبالتالي سنهدر أكثر عمرنا بما لا طائل من ورائه.

فمثلاً فتاة عاشت في بيت فيه الأب قاسٍ ومتسلط، ومنعها من التعليم، هذه الفتاة ستخرج بكمٍ هائل من القصص، أبرزها أن كل الرجال متسلطون وشكاكون وخصوصًا الآباء، وربما تعيش في الـ«لو»، لو تعلمت لأصبحت طبيبة متفوقة ولكن أبي منعني، ولو كذا لكان كذا ولكن أبي منعني، وستظل تتباكى وتشعر بأنها الضحية في زمن المجرمين، وستظل تحمل هذه الأفكار والقصص والأحقاد، والتي ستحرمها من كل تقدم ونجاح، وستظل هي بنفسها تشكل الظروف ذاتها لتعطي النتيجة ذاتها وهي «الفشل وعدم تغيير شيء».

فالخطورة في حمل مثل هذه القصص الوهمية، أنها ستستحضرها في كافة مواقف حياتها القادمة، في علاقتها مع الزوج والولد وكل رجل تقابله في حياتها، ولأنها تحمل رأيًا وافتراضًا بشكل مسبق، فستتصرف بناءً عليه، وتعاملها هذا سيعطي نتيجة حتمية، فستأكد رأيها المسبق، ولا تدري أنها لو كان رأيها مختلفًا وتعاملها مختلفًا ستكون النتيجة مختلفة تمامًا، وكذلك لو أن صاحب مال لديه تجربة سابقة فاشلة في مشروع ما، ثم اختلق إثر فشله القصص التي بدورها ستعيق وتحول دون نجاح مشروعه القادم، إلا إذا تخلى عن قصصه المتخيلة وافتراضاته المسبقة، وغير ذلك سيكون قد دخل على مشروع فاشل جديد قبل أن يبدأ فيه.

ومن الأضرار لحمل هذه القصص في مخيلتنا أنها ستشوه رؤيتنا للعالم الواقعي من حولنا، وبالتالي لن نرى الأمور كما هي عليه، وبالتالي سنصدر أحكامًا خاطئة نندم عليها لاحقًا، عدا عن ذلك ستظل شخصينا الحقيقية المبدعة بعفويتها محبوسة في داخلنا، ولن نستطيع التعبير عنها مما يفقدنا ثقتنا بأنفسنا وبالتالي ستضعف قدرتنا على التواصل مع الآخرين، ولك أن تتخيل حياة فيها كل ما فات.

أعرف عزيزي القارئ قد تأخرت عليك وكلك توق للحل أو أقلّها، سؤال كيف أتعامل مع المشكلة؟ فأقول علينا أن نتساءل أولاً ما هي القصص التي اختلقناها وصدقناها وعشنا بها خلال رحلة حياتنا، والتي من يومها خرجنا من الواقع إلى الخيال فأصاب حياتنا الركود، فإذا عرفنا وأدركنا فهو خير عظيم، فنحن الآن أصبحنا نميز بين الخيال والواقع، فكل حدث وخبرة وتجربة في الواقع تعتبر ماضيًا وانتهى، لي منه الخبرة والعبرة فلا أسمح للخيال أن «يشُطَّ بي ويَنط»، وأن أبقى في «منطقة اللامنحاز» على مستوى الوعي والإدراك، أي لا تعميم مسبق ولا انحياز مسبق وبذلك أحافظ على رؤيتي للواقع والأشياء كما هي عليه، بدون حُجُب أو تشوهات إدراكية.

 

ساسة بوست

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *