وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى..

أشرف عابدين

 

قلت له: مبارك ماذا أتاك! ماذا أعطاك الله! قال أنثى، أنثى للأسف! لم يعجبه ذلك لأنه لم يكن طفله الأول ذكراً، يريده ليحمل له اسم أبيه لأنه البكر وينال به الفخر، ويسبق بذلك الفخر إخوانه. خرج غاضباً خجلاً من العارِّ ومن مواجهة أفراد قبيلته وعشيرته، خاف من كلام الناس عليه بأن يعيرونه ويعاتبونه بها! ترسباتٌ جاهليّة عربيّة ممقوتة.

عقلياتٌ سطحيّة تبنى على النسل والقبيلة والذكورة، وتطيح بالقيم الإسلامية المعرفية منها والأخلاقية، عاداتٌ تم تقديسها أدت إلى انحراف بعض مبادئ العقيدة الإسلاميّة ولا يتوقف على ذلك فحسب، بل ويتغلل في الحياة الاجتماعية والإنسانية وطريقة عيشها بل وقد يصل بعضهم إلى وأد ما يأتيه من البنات! “وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأيّ ذَنْبٍ قُتلَتْ” والدين منها براء. (اسْتَوْصُوا بالنساء خيرا، فإن المرأةَ خُلقت من ضِلَع، وإن أعوجَ ما في الضِّلَع أعلاه، فإِن ذهبتَ تُقيمُهُ كسرتَهُ، وإِن تركتَهُ لم يزلْ أعوجَ، فاستوصوا بالنساء)؛ لا يريدون الاعتراف بأن هذا الاعوجاج القادم من الزهرة أي ما كان مكانه، سواء في عقلها أم في لسانها هو الكمال بِلُبِّه! أعجبني لطيفة من أحدهم بتفسير ذلك بأنّ (ذاك الضلع الذي في القفص الصدري؛ ضِلعٌ أعوج، كمالهُ وجماليته يكمن في اعوجاجه! تخيل معي لو كان مستقيماً لكان مزعجاً وغير مريحاً، إذاً هذه المرأة لا بد لها من اعوجاج كاملٍ يتناسب مع هذا الوضع وإلا لما تحملت) فلا تحاول إدراك ذلك الاعوجاج، بل كن على بصيرة بأن لا تحاول ليس كسره فحسب بل لا تحاول مسّه أيضاً.

“ناقصات عقل ودين”؛ قراءة اختزالية سطحيّة مثل “لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ.. ” هذا النقص التكريمي من الله بسبب فيزيائيتها، مما أدى إلى منعها من الصوم والصلاة وبعض من العبادات، فحملتك وهناً على وهن لكي تنو نمواً سليماً معافاً، لتكون رجلاً صاحب هم وقضيّة، هذا النقص الذي كان للمرأة في العصر النبوي نصيب كبير في حفظ ورواية حديث النبي صلى الله عليه وسلم؛ بل مما يذكر للمرأة في هذا الباب ما حكاه الإمام الذهبي، رحمه الله بقوله: (لم يؤثر عن امرأة أنها كذبت في حديث قط !، بل المحفوظ أن بعض الرجال هم الذين كذبوا على الرسول في رواية الحديث). وما كانت هذه المكانة لتكون لولا اهتمام النبي -صلى الله عليه وسلم – بها ورعاية الإسلام لها الرعاية الشرعيّة الكاملة، من حيث تعليمها وتنشئتها والإعداد النفسيّ والفكريّ، ومشاركتها في مجالس العلمّ، مما زاد في فضلها ومكانتها وجهودها في نشر الإسلام وتعليمه منذ عهد الصحابة، فالتابعين وتابعيهم .فأراد للمرأة أن تكون حاضرة ثابتة شاهدة لمواطن الإصلاح، مستكثرة من التوجيه النبوي، ومن ثقافتها ومعرفتها الشرعية في كل شؤون حياتها، فلم تغب عن حضور الصلوات وحلقات العلم في المسجد (فلا تمنعوا إماء الله مساجد الله).

(ما من مسلم له ابنتان فيُحسن إليهما ما صحبتاه – أو صحبهما – إلا أدخلتاه الجنة)؛ وعدٍ إلهيَ يحفز الآباء والأمهات بأن يفرحوا بولادة الأنثى، وأن يتمردوا على هذه الترسبات الجاهليّة التي كانت وما زالت للأسف تهمش الأنثى، وتعيدها عيباً وعاراً! فالإناث كالذكور هنّ عطايا ووصايا من الله، ينتمين إلى الجنس نفسه الذي تنتمي له خديجة بن خويلد وعائشة بنت الصديق ومريم ابنة عمران، وآسيا امرأة فرعون، وفاطمة بنت محمد، فعليك أن تحس بجميل النعمة، وسرّ التكريم والحنان فيهنّ، فربما كانت الأنوثة “فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا” وكانت الذكورة شقاءً وبلاءً، فالنسل ليست في ذكورته ولا في أنوثته، ولا في كثرته فيكن كمّاً بلا كيف أو في قلته، هي كما عبَّر كُثير حينما دخل على عبد الملك بن مروان في أول خلافته فقال:

ُغَاثُ الطَّيرِ أَطوَلُها رِقابًا … وَلَم تَطُلِ البُزاةُ وَلا الصُّقورُ

خَشاشُ الطَّيرِ أَكثَرُها فِراخًا … وأُمُّ الصَّقرِ مِقلاةٌ نَزورُ

ضِعافُ الأُسدِ أَكثرُها زَئيرًا … وَأَصرَمُها اللَواتي لا تَزيرُ

وَقَد عَظُمَ البَعيرُ بِغَيرِ لُبٍّ … فَلَم يَستَغنِ بِالعِظَمِ البَعيرُ

فَما عِظَمُ الرِجالِ لَهُم بزَيْنٍ … وَلَكِن زَيْنُهُم كَرَمٌ وَخِيرُ

فلم تكن المرأة دائماً هي المغبونة وحدها في المجتمع إنما كانت (الإنسانيّة) في أعمق معانيها، فكما قال صاحب الظلال في تفسيره “وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ، يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ” (نفسٌ إنسانيّة، إهانتها إهانة للعنصر الإنسانيّ الكريم، ووأدها قتل للنفس البشرية، وإهدار لشطر الحياة، ومصادمة لحكمة الخلق الأصيلة، التي اقتضت أن يكون الأحياء جميعا – لا الإنسان وحده – من ذكر وأنثى).

 

مدونات الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *