فقه الآن

ماهر العتيبي

 

هل حدث مرة وأصابك الشرود؟ أو رأيت أحدًا شريد الفكر؟ تُرى لو توقفت مع نفسك وسألتها بماذا كنتِ تفكرين؟ أو سألت ذلك الشخص بماذا كنتَ تفكر؟ تُرى ماذا ستكون الإجابة؟

مهما تكن الإجابة، وبغض النظر عن التفاصيل، فإن الأمر لن يخرج عن أمرين؛ الأول: التفكير في الماضي – سواءً أكان التفكير في موقف حدث معك قبل دقائق، أم في موقف حدث في سنوات الطفولة– والثاني: التفكير في المستقبل، ومعظم تفكيرنا في معظم يومنا ينحصر في هذين الزمنين، فإذا علمنا أن أقسام الزمان ثلاثة، وهي: الماضي، والحاضر، والمستقبل، علمنا أن هناك خللًا كبيرًا في حياتنا، بل جريمة، ألا وهي قتل الزمن الحاضر؛ وذلك بإشغاله بالزمنين الآخرين، أقول جريمة ؛ نعم؛ لأن إشغال الزمن الحاضر وإسقاطه من حياتنا هو إعدام له، وقتل للحظة الراهنة.

 

ماذا نعني بفقه؟ الفقه هو الفهم والاستيعاب.

ماذا نعني بالحاضر؟ هو حلقة الوصل بين زمنين –زمن الماضي، وزمن المستقبل– فكل لحظة آنيّة لا تشبه أختها، حتى لو تكررت عدة مرات، فكل لحظة تعد تجربة وخبرة جديدة لا تشبه مثيلتها، مثلًا: لو قرأ أحدهم مقالًا ثلاث مرات، ستكون كل مرة تعبّر عن «لحظة» لها مذاقها المميّز وتجربتها الفريدة، وليس لحظة واحدة تكررت ثلاث مرات.

ماذا نعني بـفقه الآن «اللحظة الراهنة»: هو مجموعة من الأمور والأحداث التي نمر بها ونواجهها وتعنينا شخصيًّا بالدرجة الأولى، وباعتبار للظروف المحيطة والإمكانات المتاحة والفرص السانحة، وقد يطول زمن اللحظة وقد يقصر، وذلك حسب الدور الذي نقوم به وطبيعة اللحظة، مثلًا طالب التوجيهي يجب أن يفقه لحظته أثناء مذاكرته لدرس معين في حصته المدرسية «ساعة من الزمن»، وألا يفسدها بإدخال اللحظات الأخرى عليها – كلحظته كصديق يريد أن يلتقي بأصدقائه بعد انتهاء الدوام– ويجب أن يفقه لحظته كطالب في مرحلة التوجيهي «سنة من الزمن»، وأن يعطي كل لحظة حقها ومستحقها، وألا يفسدها بإشغال نفسه بقضايا كبيرة مثل حمل هم أطفال الصومال، وكذلك الزوج في أسرته يجب أن يفقه لحظته كزوج، ما دام يقوم بهذا الدور «غالبًا العمر كله»، ويفقه كل اللحظات المتضمنة لهذه الحظة الكبيرة التي يعيشها زوجًا ورب أسرة.

وهنا عامل مهم لضمان التمكّن من هذه المهارة –مهارة فقه الآن– وهو حسن الاستجابة للأحداث والظروف التي تواجهنا، وإعطاؤها القدْر الكافي من الاهتمام من حيث: الوقت والإتقان، وإلا سيظل المرء يعيش خارج الزمان والمكان، وحينها ستداخل اللحظات وتتشابك الأولويات، وستخرج أمور حياتنا عن السيطرة.

معظم الناس لا يحسنون العيش في الحاضر، وذلك بسبب رفضهم له، ولا شك أن الرفض للأحداث، والأشياء، والأشخاص، يجعل الإنسان لا يحسن التعامل معها، بل ربما سيظل يتفاجأ في لعبه دور المغلوب والخاسر في كل مرة، لأنه لا يتعلم من أخطائه، إذ كيف سيربح وينجح وهو يتعامل مع أشياء وأمور يرفضها بشكل مسبق، لذلك لن يستطيع فهم واستيعاب ما يجري معه من أحداث، ومن ثم تطويعها للاستفادة منها، إلا إذا تقبّلها من حيث المبدأ، ونظر إليها كخبرات وتجارب تضيف له، ومن ثم سيستطيع التعاطي معها.

بعض الناس يعيشون في الماضي، وسواء أكان ذلك الماضي مشرقًا أم مظلمًا فهو تعطيل للحظة الراهنة، ومن ثم تعطيل للمستقبل، فصاحب الماضي المشرق سيظل يتغنى بأفعاله وأمجاده السابقة مما يدفع عنه الشعور بأنه مطالب بعمل المزيد في الحاضر، فيركن إلى ماضيه، وكذلك صاحب الماضي المظلم، سيظل في حالة من الندم والتحسّر، كأنه يستجدي الزمن أن يرجع، وما هو براجع، فيعزو كل عجز وفشل إلى ما حدث معه في الماضي، فيقعده ذلك ويريحه.

وبعض الناس لديهم احتفاء كبير بزمن «المستقبل»، ويُعرّفون أنفسهم بأنهم ينظرون أبعد من غيرهم، ويحذّرون من التفكير في الماضي، فهل ذلك حقًا أم هو كما يسمى هروب إلى الأمام؛ هروب لأمور فوق طاقتهم لا تقاس فتظهر عجزهم.

فإذا قال أحدهم: وما المشكلة في العيش في الماضي أو العيش في المستقبل؟ وربما يضيف: من لا ماضي له لا مستقبل له، أجيب: أولًا، نحن لا ندعو للانفصال عن ماضينا أو مستقبلنا؛ لأنهما جزآن أصيلان منّا، ومن تركيبنا كبشر، لكن علينا أن نفرق بين إنسان يعيش في ماضيه الرافض له، ويستمد طاقته للحياة منه دون فهمٍ لحاضره ودون فقهٍ للّحظته، وبين إنسان سويّ يعيش لحظته وحاضره، ويستمد طاقته منه، ومتقبل لماضيه وينظر إليه على أنه منجم من الدروس والعبر، وحقل من الخبرات، التي تفيده وتسهل عليه الحياة حاضرًا ومستقبلًا، ومثل هذا الذي يعيش في الماضي؛ الذي يعيش في المستقبل فهو –الأخير- يستمد طاقته من صورة مستقبلية يسعى لتحقيقها دون فهم للواقع ولا فقه للّحظة.

لذلك أرى أن علينا أن نعرف أننا مخلوقات ضِعاف لا حول لنا ولا قوة، وعلينا أن نعترف بذلك أيضًا، وأن نؤمن بالقدر خيره وشره، وأن ننظر إلى الماضي على أنه خبرة نتعلم منها، وللمستقبل على أنه أمل وتفاؤل، كل ذلك بإحسان ظن، وأن نمزج في حاضرنا بين الخبرة والأمل والتفاؤل، حينها نكون على درجة عالية من اليقظة والانتباه لما يدور حولنا دون حُجب أو مشتتات، وعلينا أن نعلم أن لا قدرة لنا على تغيير الماضي، بل قدرتنا أن نتصالح معه، ولا قدرة لنا على التحكم في المستقبل، بل قدرتنا إفراغ الوسع في العمل والأخذ بالأسباب، وأخيرًا الرضا بما يكتبه الله من قبل ومن بعد.

 

ساسة بوست

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *