أنْ تنتَصر لشَغَفِك أوّلاً!

خولة مقراني

 

أتدري ما الفرحة الحقيقيّة؟ الفرحة الحقيقيّة، أن ترى نجَاحك في أمرٍ ما، مجموعة غير منتهيةٍ من المبادئ التي آمنت بها إيماناً منك بالغيْب: آمنت أنّ التوفيق الحقيقيّ يأتي عندما يخلو قلبك من الذّنب، وعندما تُخلص روحك بالكلية إلى الله القريب منك، وعندما تضعُ فوق رأسك درعًا من الثقة بالله رفيق الدّرب، فيحميك من أذى الآخرين. وعندما تبدأ بالعمل الذكي الذي أساسهُ الوصول إلى رضا الله، تحت ألف لونٍ وغطاء، لكي تجذب بذلك قلب من لا يميل بالمواعظ والخُطب. وفوق ذلك كلّه: الشّغف، إبقاء قلبك حيًّا مهما بدا المشهد من حولك قاسيًا وصاخبًا ومؤذيًا، أن تُبقي حواسّك مُستيقظة لاقتناص الفُرص والعمل عليها… فالشّغف لا يأتي إلى من ينام في فراش من ريش، بل يأتي للذي ينام بشكلٍ عموديّ أمام وجه العاصفة.

حينما تكونُ مسكوناً بشَغفٍ قاتلٍ لشيءٍ ما، يحتلّك عطشٌ لعملٍ مُتواصلٍ، فتكون تمامًا كشلالٍ جارف، تقطع الثّواني بمقصّ الترقّب، وتُلصقها في وحدةٍ زمنيّةٍ أنت اخترعتها، لا بداية لها ولا نهاية… عقلك مُسلّحٌ بشفرات السّعي، وقلبك طبيبٌ جرّاحٌ، فلا أنت تملُّ من جرحِ عقلك، ولا أنت ترضى بكل ما في قلبك من طبّ. كلّما أكلَ الزمنُ شيئاً من قلبكَ وصفعكَ على وجنةِ عقلكَ، كلّما ازداد الشّغفُ وجعًا وصار الشّفاء منه قاتلاً. لربّما لن يكون لديك ليلٌ ولا نهارٌ! فالالتصاق به فوق رُقعة الزمن، وأعلى من انتكاسات البدن وشكوى الحواس.

إنّ الحقيقة التي نجهلُها أو بالأحرى التي لا نقوى على استيعابها هي أنّ الشّغَف لا يولد معَنا، ثم يضيعُ عنّا بين ثنايا الذّاكرة، في شوارع أحداثِ حياتِنا المُتراكمة، لنبدأ بعدهَا رحلة البحث عنه عندما تدفعُنا الرّغبة لاختصار الطّريق… بل إنّه نِتَاجُ العمل النّاجح.  فالعمل المشغُول من دون احترافٍ وشَغف، عملٌ زائفٌ، طعمه كتفاحةٍ مشويّة على النار. وقد نقتُل ذاك الشّغف فينا مدفوعين -جهلاً أو بالإكراه-لاعتقادنا بأنّ المال أبقى شأناً وأرفع مقامًا منهُ، غير مُدركين أنّ لقمةً صغيرةً نتناولها ونحن مسكونون به لهي أكثر شرفاً من مالٍ نكتنزه من غير شَغَفٍ بالحياة، فلا عبرة بكل ذاك الدّرب الذي نقطعه، إن لم نُبقي شُعلة الشّغف متّقدةً حتّى النهاية… لكنّنا سندفعُ ضريبة ذلك الاعتقاد بعد مرور السّنوات.

عليك أن تعرف جيّدًا ما تُريده من هذه الحياة، حتّى لا تُضحّي بشغَفك تحت إغراءات المادّة، وحتى تستطيع تهشيم تلك القناعاتِ المسبقة عن لُهاث النّاس وراء المال في قلعة الرأسمالية العتيدة، فغياب الشَّغَف مُوجعٌ حقًّا، يترك بك فراغًا كبيرًا، يجعلك تائهًا بلا شُعور، وإذا مات فيك لا تقلق فالله يبعثُه من جديد، حتّى وإن كان بوجه آخر ولهفة مُنكسرة، لكن ستمُوت معه كلّ الأشياء الجميلة في عينيك، لذا لا تسمح لشغفك بأن يموت، جدّد روحه بداخلك.

صحيحٌ أنّ المال هو معبود أكثريّة سكّان كوكبنا، لكن ثمّة أيضًا -رغم أنّهم أقليّة-من يضعون أهدافًا أخرى أمامهم غير المال، وخصوصًا إذا ما تعلّق الأمر بشَغفهم العظيم المحدّد في هذه الحياة. فمن النّادر مثلاً أن نجد في بيئتنا طالبًا غزير القراءة سواءً في كمّها أو نوعيّتها يسعى ليُدرك من خلالِها ما يدور من حوله ويبنيَ عليها اختياراته وقناعاته في الحياة، وفي نفس الوقت له تصميمٌ راسخٌ على دراسة ما يُحبّ مُتجاوزًا من أجل ذلك كلّ الضّغوط التي قد تعترضه، ولعلّ المأساة التي نعيشُها كلّ عامٍ، والتي لا تزال تتكرّر لدى الطلبة في مُحيط الأسر العربيّة: “يدرس الطّالب في منهاج الثّانوية بعض الدّروس المُحدّدة بطريقة تقليديّة للغاية، ثمّ يسعى للحصُول على مُعدّل يؤهّله وُلوج كليّات الّنخبة التي يحلم بها الآباء قبل الأبناء، وأعني بها كليّات التخصّصات الطبيّة والصيدلانيّة في المقام الأوّل ثم تخصّصات التدريس والهندسة في المقام الثّاني”، وأظنّنا نعلم جميعًا مقدار التّكالب الذي يجري على هذه التخصّصات بسبب المال الذي ستغدقُه على أصحابها.

ولا أقصدُ هنا تبشيع الثّراء أو القول إن كسب المال يعدّ عيبًا، بل لربّما صار ضرورة مُلحّة يفرضُها الواقع في عصرنَا هذا، لكن الحقيقة التي يجبُ أن نُدركها أنّنا لم نُخلَق كلّنا لنكون أطباء وأساتذة ومهندسين… إنّ هذا التفكير العقيم ما هو إلاّ دليلٌ واضح على بُهتان خياراتنا وعدم اتفاقها مع منحنى التّوزيع الطبيعي.

إذن وفي خِضم كلّ هذه الماديّة، من الأفضل لك ألا تسمح لأحدٍ بأن يسلبك حبّك لما تُريد، لدقّة قلبك نحو الأشياء التي لا تملكها، أن يجعلك تراها بنظرة أخرى غير تلك النّظرة الصّادقة التي تعوّدت أن تنظر بها إليها، أن يبتر من روحك جناحاها فتمتلك يسار صدرك أرضًا قاحلة، أنت الذي كنت تبتسم دائمًا رغم سواد الموقف! لا تجعل اللاشعور يزور قلبك، أمّا إن كُنت من الذين يعيشُون في أدوار الحزن لأنّك ما زالت تركضُ باحثًا عن ذاك الشّغفِ دون أن تهمس الحياة لك بـ “نعم”، فمن الأحسن لك أن تهجر فكرة “البحث” هذه، لأنّها ستحدُّ من رؤيتك للفُرص، فالشّغَف لم يكُن يومًا غايةً ننشدهَا، بل هو أن تُحبّ مصدر نجاحك أيًّا كان، عندها فقط ستتذوق ملذّات الشّغف بأيّ عمل… أمّا الباقي فهو مُجرّد تفاصيل ترسمُ معالم الطّريق.

 

مدونات الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *