الزواج والكينونة الثالثة

رندة صادق

 

لا تستقم الحياة إلا بتنوعها، ولا تبدو بألق إلا بتناقضها، ولا تمعن في وعينا وهي بلون واحد وشكل واحد ومادة واحدة، الحياة الغنية بالعناصر المتضادة المدهشة، تترك غرابتها في تفاصيلنا، وتُشكل مداركنا، فنتساءل هل نحن الحياة أم هي نحن؟.

استطاع الإنسان هذا الكائن الثائر المتمرد حتى على قوانين الطبيعة، أن يُسخّر عقله وقلبه وإرادته ليكتشف سر الوجود ويرتقي ليتعلم خفايا العلم والحياة، حلّق بعيدا بأحلامه حتى بلغ القمر وغاص في أعماق البحار بحثا عن الحياة وتحدث عن عوالم واعية وعوالم خفية، قسم المفاهيم بين مادية وميتافيزيقية وخطط لكل شيء محاولا تنظيم الكون وتطويعه ليكون آمنا له، مسرحا لأحلامه.

كل هذه الصورة قد تتقزم حين يتعلق الأمر بثنائية العلاقة بين الرجل والمرأة، فلا معنى لكل هذا بدون المجتمعات وتنظيمها الذي يبدأ من النواة الأولى للمجتمعات أي الأسرة، انطلق الإنسان من ذاته ومن حاجاته ليفهم الكون، أراد الأمان لنفسه ولأولاده، حاول أن يضع مفاهيم تربوية سليمة لبناء أسرة تقوم على الاستقرار، اتبع حينا فطرته وأحيانا أخرى التشريعات السماوية، وفي البلاد المختلفة عنا -ولا أقول المتطورة- عنا وضع قوانين وضعية تضع مبادئ للعلاقة، ولكن كل ذلك نظم الخلافات، ولم يدعم الإيجابيات، فنجد أنّها تنظم ما بعد الطلاق وليس خلال الزواج.

الجميع أكد على الاحترام كقاسم مشترك لإنجاح العلاقة، ولكن من الملفت أن الخلافات واقعة لا محالة، فلا يوجد زواج بلا منغصات مهما كان هناك من انسجام فكري، وهذه الخلافات قد تكون سطحية، وقد تكون عميقة ومتجذرة، إذن من المهم أن نعرف آلية إدارة الخلاف وكيف نتمكن من النجاة نحن والزواج؟.

الحقيقة الزواج كينونة منفصلة عن الزوج والزوجة، وإن كان مرتبطا بهما؛ لأنه يشبه الخلية حيث ينقسم بعد الزواج لينتج عنه أطفالا، وهؤلاء الأطفال لا علاقة لهم بالاختيارات الخاطئة أو بفشل العلاقة، هما نتاج الزواج أي الكينونة الثالثة. الزواج ليس علاقة تقوم على إمكانية الانفصال بل هي علاقة عليها أن تقوم على حتمية النجاح، ولكي تنجح هذه العلاقة علينا أن ندرك أنه لا ينفع أن يكون الرجل والمرأة من غضب ونار هذا سيحرق الأخضر واليابس بينهما، ويترك المسافة بينهما أرض بور لا يمكن استصلاحها.

فلنتفق إذا أن فشل الزواج يرتبط بإرادة الطرفين، لذا يجب أن يضعا استراتيجية واعية لإدارة الخلاف ببداية الزواج، فليتفقا انه حين يقع أي خلاف ويرى كلا الطرفين أن الغضب هو سيد الموقف أن يختارا الصمت ويبتعدان لوقت قصير، حيث يهدأ الأدرينالين وتصمت زوابع الانفعالات المجنونة، ثم يجلسان بهدوء ويطرح كل واحد منهما وجهة نظره في الخلاف وأسبابه، وأن يفكر الاثنان معا أن أي خلاف له ثنائية وأن المشكلة وجهة نظر، وأنهما في مركب واحد التجذيف عكس بعضهما البعض سيقلب الأمور رأسا على عقب.

النقطة الأولى لحل الخلاف: التعامل بعقل وبهدوء حينها سيجدان الحل الواعي لأزماتهما وسينجو المركب.

النقطة الثانية: التي لا يجب أن يتم تجاهلها هو عدم نقل خلافاتهم إلى الناس وعدم الحديث عنها، هما راشدان بما يكفي لمعالجتها.

النقطة الثالثة: لا توجد مشكلة بلا حل، يوجد عقول بلا إدراك تتبع العناد والغضب.

النقطة الرابعة: الأطفال ليسوا أرض المنازعات، لا تقتلا براءتهم وتشوها نظرتهم للحياة بأنانيتكما وانفعالكما.

خامسا: تأكدوا أن خلف كل نافذة مضيئة قصة معاناة، وأن زواج الآخرين ليس بالمثالية التي يبدو عليها.

سادسا: لا تتبادلا التهم فكلاكما مسؤول.

والنقطة الأخيرة الأدب في الكلام فان خسرتم الاحترام ضاع الحب وضاعت الهيبة وأعدمتما ما تبقى من أمل.

 

جريدة عمان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *