المجتمع المدني وضرورة التطوير !!

عوض بن سعيد باقوير

 

المجتمع المدني في الدول الغربية بشكل خاص يلعب دورا محوريا من خلال أدواره المتعددة ومشاركته الفعالة في التنمية والتحديث، التي طالت أوروبا والولايات المتحدة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وآثارها المدمرة على المجتمعات، ومن تشكل المجتمع بشكل مبكر حتى اصبح قوة مجتمعية لها دورها الوطني، وتعداه إلى الصعيدين الإقليمي والدولي.

وخلال السنوات العشرين الماضية بدأ المجتمع المدني ينشط في دول المنطقة، ومنها السلطنة حيث صدر قانون الجمعيات الأهلية عام 2000 والذي ينظم عمل تلك الجمعيات بشكل عام سواء كانت جمعيات مهنية أو جمعيات المرأة أو حتى الجمعيات الخيرية، وظهرت مؤخرا الفرق التي تسعى لخدمة المجتمع من خلال أعمال تطوعية وفي مجالات متعددة.

ولا شك أن السنوات الماضية، وظهور جمعيات متعددة، أدخل المجتمع المدني، الحديث نسبيا، في إشكالات قانونية وتنظيمية مختلفة، حيث جعل وضع تلك الجمعيات في إطار محدود من خلال عدم الاستقلالية، وأيضا من خلال وجود قانون واحد ينطبق على كل الجمعيات، رغم اختلاف أدوارها، فالجمعيات المهنية مثلا، ذات أهداف تختلف عن جمعيات المرأة، والأمر ينسحب على أهداف الجمعيات الخيرية وفرق التطوع الأخرى، وعلى ضوء ذلك فإن المجتمع المدني في السلطنة يحتاج إلى آليات قانونية وتنظيمية تتماشى والتطور المجتمعي والتنموي في السلطنة، والذي حقق تقدما كبيرا في السنوات الماضية.

 

الاتحادات المهنية

والمجتمع المدني في السلطنة يقترب من العقد الثاني فإن ثمة متغيرات تجعل من المهم والمفيد أن تسعى وزارة التنمية الاجتماعية، وهي المعنية بشؤون تنظيم جمعيات المجتمع المدني، الى تحديث القانون وإيجاد صياغات حديثة تسهم في تنشيط جمعيات المجتمع المدني، وتجعلها اكثر حركة وفاعلية، وذلك على غرار تجربة وطنية طيبة، متمثلة في الاتحاد العام لعمال السلطنة، وهو اتحاد يضم اتحادات العمال في مؤسسات القطاع الخاص، من خلال وجود نقابة في كل مؤسسة، ونقابات فرعية تضم النقابات العاملة في مجال أو قطاع محدد، وذلك وفق ضوابط وإجراءات محددة، ويشرف الاتحاد العام على تلك النقابات الفرعية في إطار مجموعة الحقوق والواجبات التي يعمل في إطارها الاتحاد العام لعمال السلطنة، كما وجود مجلس إدارة منتخب كل اربع سنوات للاتحاد العام، مما جعل هذا الاتحاد يلعب دورا مهنيا مقدرا من خلال جملة من الأنشطة ومتابعة قضايا واهتمامات العمال والفصل في عدد من المشكلات، التي قد تحدث، بعيدا عن الجانب الرسمي. ولعل نجاح الاتحاد العام لعمال السلطنة يدفع نحو التفكير في مدى إمكانية وجود اتحادات لجمعيات المجتمع المدني المهنية، وذلك من خلال إمكانية وجود اتحادين مهنيين احدهما يضم الجمعيات المهنية وبوجود مجلس إدارة منتخب على غرار الاتحاد العام لعمال السلطنة ولمدة اربع سنوات، والاتحاد الآخر تحت مسمى الاتحاد العام للمرأة العمانية ونفس الآلية، أي وجود مجلس إدارة منتخب يشرف على جمعيات المرأة العمانية في السلطنة. ومن خلال هذين الاتحادين سوف يدخل المجتمع المدني في السلطنة مرحلة اكثر تطورا، تتماشي مع التطور التنموي والمجتمعي والتشريعي في السلطنة، خاصة وان لدينا مجلس عمان والمجالس البلدية في المحافظات، والنظرة المستقبلية نحو تطوير دور المجالس البلدية للمحافظات بشكل اكبر وأوسع.

الاتحاد العام للجمعيات المهنية إلى جانب الاتحاد العام لعمال السلطنة والذي يشرف على النقابات في المؤسسات الخاصة فإن الاتحاد العماني لكرة القدم هو اتحاد مهني يشرف على الأندية الرياضية وينظم لعبة كرة القدم من خلال لجان متخصصة ومنها لجان الشكاوى التي تفضل في إشكالات الأندية وهذا الاتحاد المهني الرياضي منتخب لمدة اربع سنوات ويديره مجلس إدارة منتخب أيضا. وفي ضوء تلك النماذج فإن وجود الاتحاد العام للجمعيات المهنية سوف يشكل – عند وجوده – نقلة نوعية على صعيد تطوير وتحديث المجتمع المدني من خلال آليات واضحة، ومن خلال قوانين تحدد عمل الاتحاد وعلاقته بالجمعيات ، ووجود لجان مختصة، يتم الرجوع لها عند حدوث أي إشكالات تخص تلك الجمعيات المهنية، خاصة وأن مجلس الإدارة الذي سوف ينتخب سيكون من خلال أعضاء تلك الجمعيات ومن خلال قوائم انتخابية تضم كل قائمة عددا من الأعضاء يمثلون عدد أمن الجمعيات المهنية مما يعكس في النهاية إرادة تلك الجمعيات، وأن مجلس الإدارة سوف يكون لديه الإلمام الكامل بكل نشاطات الجمعيات وحركتها المجتمعية. ومن خلال وجود هذا الاتحاد سوف يكون هناك استقلالية اكبر لتلك الجمعيات ومن خلال قانون منظم يشرف عليه الاتحاد، وأيضا تتحرر الوزارة المعنية من الإشراف على تلك الجمعيات وأعبائها المتزايدة، والتي تتطلب وجود مختصين بشكل كاف لإدارة هذا القطاع المجتمعي المتنامي، ومن ثم تبقى وزارة التنمية الاجتماعية كمرجعية نهائية، لإصدار القرارات التي تختص بإنشاء الجمعيات المهنية ومتابعة تطبيق القانون. ومن خلال هذا التطور النوعي سوف يكون هناك بالطبع حراك اكبر لخدمة المجتمع، وإمكانية حدوث إقبال اكبر للمشاركة في عضوية تلك الجمعيات، ويكون هناك دعم استثماري من الحكومة على غرار الأندية الرياضية مثلا، خاصة فيما يتصل بتوزيع أراض تجارية لكل جمعية من الجمعيات المهنية بهدف الاستثمار، وتوفير دخل لها، مما يجعل هذه الجمعيات قادرة على الوفاء بالتزاماتها المهنية داخليا وخارجيا وعلى نحو يخدم الأهداف الوطنية، ومن هنا فإن هذه الدعوة للتفكير والمناقشة، تأتي من خلال ملاحظات تتعلق بعدم فاعلية الكثير من الجمعيات، وهو ما يفقد المجتمع منافع كبيرة، من خلال المساهمة المحدودة لتلك الجمعيات وركودها وعدم نشاطها الملموس لفترات طويلة أحيانا، وهذا لا يساعد على وجود مجتمع مدني فعال، كما نراه الآن في بعض دول جنوب شرق آسيا وهي الأحدث نسبيا، مقارنة بأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.

 

الاتحاد العام للمرأة العمانية

وما ينطبق على الاتحاد العام للجمعيات المهنية يمكن أن ينسحب على الاتحاد العام للمرأة العمانية، والذي هو مطبق في عدد من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. ومن المعروف أن جمعيات المرأة العمانية في السلطنة والتي انطلقت مع بدايات النهضة المباركة، تعد من المؤشرات الأولى لوجود مجتمع مدني بالسلطنة، حيث لعبت تلك الجمعيات، خاصة في العاصمة مسقط، دورا كبيرا على صعيد قضايا المرأة والطفل وتوعية الأسرة في المجالات الصحية والتعليمية وغيرها.

ولا شك أن وجود العشرات من جمعيات المرأة في السلطنة يعزز من أهمية وجود إطار رابط، أو مرجعية مجتمعية، بعيدا عن الجانب الرسمي، لان العمل المجتمعي ينبغي أن يكون له أدواته، وان يتحرر من البيروقراطية الإدارية، ومن هنا فإن وجود اتحاد عام للمرأة العمانية، ومنتخب من قبل الجمعيات، سوف يمثل تحولا مجتمعيا مهما وسوف يشكل نقلة نوعية تتماشى والتطور الذي توليه القيادة الحكيمة لدور المرأة العمانية في شتى مناحي الحياة.

إن المرأة العمانية أصبحت ذات مكانة مرموقة في المجتمع وهي تتولى مناصب رفيعة في الحكومة وفي مجلس عمان والمجالس البلدية وحتى على صعيد السلك الدبلوماسي والمجالات المهنية، ومن هنا فإن وجود الاتحاد العام للمرأة العمانية له أهميته المهنية لتنشيط العمل المجتمعي خاصة وأن هناك قيادات نسائية لها أدوارها البارزة في مجال العمل العام والتطوعي، وسوف يشكل الاتحاد مرحلة جديده كما هو الحال في الاتحاد العام للجمعيات المهنية المقترح، لأن بقاء المجتمع المدني بالصورة الحالية لا يساعد على إيجاد عمل مجتمعي منظم وفاعل ومتواصل.

القطاع النسائي مهم وهو يشكل نصف المجتمع وهناك جمعيات للمرأة ليس لها نشاط سوى تجمع عدد محدود من العضوات وهذا يعد إهدارا للطاقات في مجال مجتمعي في غاية الأهمية في ظل وجود طفرة تنموية، وظهور آثار جانبية لعمليات التحديث والتنمية تحتاج إلى تعامل حقيقي معها من جانب المجتمع المدني، فالحكومات وحدها لا تستطيع أن تفعل كل شيء، وبالتالي لابد من جهود وتكامل بين القطاعات الثلاثة الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، وإذا كان المجتمع المدني غير فاعل وقوانينه قديمة، لا تتماشى مع تطور المجتمع، فإن ذلك سوف يقلل من فاعلية المجتمع المدني وهذا الأمر يحتاج إلى مراجعة.

 

التحولات المجتمعية

وفي ضوء التحولات المجتمعية وتطور التعليم وانتشار التقنية تبرز أهمية المجتمع المدني ودوره في معالجة عدد من القضايا التي تهم المجتمع، ومن هنا فإننا ندعو إلى مزيد من التطوير وإيجاد آليات تساعد على النهوض بالمجتمع المدني، وأن يكون هناك نقاش حقيقي حول أهمية مثل هذه الأفكار المطروحة بأهمية الاتحادات المهنية وآليات عملها وضرورة تنشيطها، والمهم أن تكون تلك الآليات محفزة لتطوير المجتمع المدني والذي لا تنشط من جمعياته إلا عدد محدود للأسف الشديد.

قانون الجمعيات الذي لا يزال في المراجعات والمناقشات وقد أصبح هو الآخر لا يلبي طموح المرحلة بشكل أو بآخر، وبالتالي يمكن الاستفادة من بعض مواده في تطبيق تلك الآليات الخاصة بإشهار الاتحادات المهنية وما طرح في هذه السطور يهدف فقط إلى تحقيق منجز وطني يضاف إلى المنجزات الكبيرة التي تحققت في هذا العهد الزاهر بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان المعظم حفظه الله ورعاه.

 

جريدة عمان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *