المصباح النسائي… «7»

د. مجدي العفيفي

 

نقرأ معا تقريرا هاما لليونسكو، وإشارات من العديد من الدراسات الإعلامية حول وضعية المرأة في وسائل الإعلام، أستخلص منها هذا الرحيق المختنق.. أو بالأحرى الحريق النسائي.. – حتى البرامج الإخبارية التي تكرس بدورها الملامح الاجتماعية لا تهتم بالمرأة ولا تلفت النظر إلى قضاياها إلا نادرًا.. وهناك نزعة تميل إلى تصنيف النساء البارزات في المجال الإعلامي من حيث التفاصيل في صور المبالغة والعناصر غير الضرورية وتهتم بالشكل والمظهر والسن والحالة الاجتماعية. – كثيرا ما تتعمد بعض الوسائل عالميا توجيه المرأة نحو أمور المنزل كزوجة وأم.. وفي نطاق الحضارة والتقاليد المرعية.. وعلى سبيل المثال كما تشير الدراسات الإعلامية تبدو صورة الأم التي تتحمل الأذى والمشقات بصبر مفرط في سبيل إسعاد زوجها وأبنائها، وأحيانا تتجلى القيم المادية بل والاستهلاكية من خلال التأكيد على دور المرأة كزوجة ومديرة منزل. – من دواعي الألم أن المرأة تتحمل دائما نتائج سلوك الرجل المنحرف غير السوي، فهو يفعل ما يشاء دون رقيب ثم يختفي، ويترك ضحيته تظهر بمظهر المسيء الأول والأخير، وهذا تجاهل لتضحية المرأة وطهارتها كمربية، للتقليل من شأنها، فهو إهانة مع سبق الإصرار. – عدد من الدراسات التجريبية أجريت وأثبتت أن التفكير عند الأطفال يتأثر بصورة مباشرة بالتخيلات الإعلامية، وثبت على أسس علمية أن محتويات البرامج التي تظهر الصورة التقليدية للإناث والذكور تؤدي إلى ترسيخ صورة المرأة بشكلها التقليدي في أذهان الصغار وإلى وصفهم لها من هذا المنطلق. – من الدواعي القوية التي تحمل وسائل الإعلام في العالم على إبراز المرأة هو ميل تلك الوسائل إلى جذب انتباه المشاهدين والقراء إلى السلع التي يعلنون عنها حتى تروج لدى الجماهير، وبذلك تتخم جيوبهم بالدولارات على حساب كرامة المرأة فيظهرونها على شاشة التليفزيون والصفحات الأولى للصحف والمجلات أنها خلقت للمتعة والتسلية أو أنها ساحرة جذابة. – كثير من الدراسات تقول إن المرأة تكافأ عندما تصور في الوسائل الإعلامية وتقوم بدور الكائن المسلي غير الفعال الذي ينزع إلى الاعتماد على العاطفة، بينما تعتبر سيئة إذا اتسمت شخصيتها بالسمات الجيدة مثل الحسم في الإرادة واستقلالية الفكر والنشاط الفعال والمثابرة الدؤوبة. – في مجال الترفيه والتسلية نجد الصفات السلبية المنسوبة إلى شخصية المرأة ترافقها الإشارة إلى أن هذه الصفات صفات طبييعية بل ومستحسنة في المرأة، أما القصص الخيالية الموجودة في المجالات النسائية والمسرحيات والمسلسلات التي تعالج مشكلات الحياة العائلية والأسرية فإنها تشجع الغرور والنزوات الخيالية والتهرب من الواقع بالاستغراق في اللهو والخيال. – يشير خبراء الإعلام عند فحصهم لقطاعات مختلفة أنه في مجال الإعلان ثمة إشارات متزايدة إلى الأدوار الحديثة التي يمكن أن تقوم بها المرأة غير الهمسات الخفيفة المحافظة بما فيها من إشارات حول استخدام المرأة بشكل إغرائي.. لاتزال قائمة. وعندما يصدر الرأى من ذوي الاختصاص يصبح له قيمة مضاقة، وهذا السياق يستدعي الاستشهاد برؤية للدكتورة (عواطف عبد الرحمن أستاذة الإعلام بجامعة القاهرة تحت عنوان وترويض المرأة لصالح من؟)، فهي ترى أن التعامل يظل مع المرأة كموضوع للبحث مثيرا للنقاش والجدل، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار الفروق المهمة بين تعدد وتنوع مواقف وسائل الإعلام في إطار علاقتها بالمرأة في الطبقات المختلفة سواء في الريف أو الحضر، فالحديث عن المرأة ووسائل الإعلام يثير آمال ومحاذير مختلفة في كل حالة، كما أن التباين العرقي والثقافي واختلاف السياسات الاقتصادية والتعليمية يوجد نسقا معقدا من الأوضاع والقيم الاجتماعية، التي تجعل من الصعوبة تعميم نتائج أي دراسة تجري عن المرأة والإعلام. إن رؤية المرأة لذاتها ودورها ومشكلاتها لا تختلف عن الرجل فحسب، ولكنها تتغير وتختلف بشكل أساسي بتغير واختلاف الطبقة الاجتماعية التي تنتمي إليها، ومن الطبيعي أن تواجهنا مشكلات أساسية في تحليلاتنا ودراساتنا عن المرأة حين نفترض أن المرأة تشكل فئة متجانسة. فمن المؤكد وجود فروق هائلة سواء من ناحية البنية والهدف والتغطية مثلا بين وسيلة إعلامية وأخرى وأيضا بين سياق مجتمعي وآخر. ومن المؤكد كذلك، عدم وجود تطابق بالضرورة في تشخيص الواقع أو في التكهن بالمسار المستقبلي للمشكلات التي تربط بين المرأة والإعلام في البيئات الثقافية المختلفة. فما يشغل غالبية النساء في الغرب بالنسبة لمجال الإعلام لا يشغل سوى نفر قليل من الصفوة في الدول النامية. فالصورة السلبية للمرأة التي تستهدف جمهورا واسعا في الدول الصناعية -في منظورها- لا تصل إلا إلى قطاع صغير من الجمهور في العالم النامي. كما أن التحيز ضد وصول المرأة لمواقع صنع القرار في الحقل الإعلامي لا يمكن أن يمثل مشكلة حقيقية في الدول النامية، حيث لم يقتحم سوى عدد قليل من النساء فيها مجال الإعلام من الأصل. غير أنه من المثير للاهتمام كما تقول الدكتورة عواطف أن علاقة وسائل الإعلام بالمرأة سواء من ناحية التوصيف أو التوظيف قد تجاوزت الحدود الثقافية والطبقية. فنحن نجد أن التوصيفات النمطية للمرأة التي لا تزال سائدة والنماذج المحدودة لمشاركة المرأة في الإعلام، تضرب بجذورها في داخل المؤسسات الإعلامية الراسخة مثلها مثل المؤسسات الناشئة. وهذا إن دل على شيء إنما يدل على السياق العالمي الذي تتم في إطاره الممارسات الاتصالية والمعلوماتية ذات الطابع العولمي وهذا السياق، سياق اقتصادي في المقام الأول، فعلى سبيل المثال لا يمكن أن ندرك حقيقة الأدوار التي يقوم بها الإعلام الأمريكي على المستويين الداخلي والخارجي إلا في ضوء دراسة صناعة الإلكترونيات والاتصالات في إطار السياسة التوسعية للولايات المتحدة الأمريكية في القرن العشرين. الثقافي ككل، يصبح السياق العالمي الذي تتحدد في إطاره مكانة المرأة أكثر وضوحا وتبرز الصلات بين وسائل الاتصال والأدوات الثقافية الأخرى مثل اللغة والتعليم في إطار العلاقات الاقتصادية الاستعمارية القديم منها والجديد. ما دام كتب الكثيرون، على سبيل المثال عن دور اللغة في التعبير عن العمل على تكريس دونية المرأة وخضوعها، وأشار بعض الباحثين الغربيين وأبرزهم روبين لاكوف إلى أن لغة المرأة تختلف جوهريا عن لغة الرجال.  فالمرأة تميل لاستخدام تعبيرات أكثر رقة وتهذيبا كما تلجأ إلى التساؤلات أكثر من العبارات الصريحة، ويعزى ذلك إلى الاختلاف في التنشئة الاجتماعية للمرأة الذي لا يجعل لها حولا ولا حيلة ولا يشجعها على التعبير عن نفسها، وهنا يبرز إسهام علي مزروعي الذي يعد من أبرز العلماء السياسيين الأفارقة عن تأثير اللغة والإعلام والثقافة وبنى السيادة والسيطرة كعناصر متداخلة في ظاهرة الترويض الاجتماعي والثقافي، هذا إلى جانب أن النظام التعليمي يلعب دورا حيويا وحاسما في هذا الصدد، وهناك براهين كثيرة على أن البرامج التعليمية والمناهج الدراسية تقولب الفتيات في مرحلة مبكرة منذ نهاية المرحلة الابتدائية فيتحول تفكيرهن إلى القوالب الأنثوية النمطية. وفي السياق العالمي، تحدثنا أستاذة الإعلام أن العلاقات تتدخل بين الأنظمة التعليمية وصناعة النشر في عملية القولبة. وتضرب على ذلك مثلا: نجد أن قائمة أكبر منتجي الكتب التعليمية تتضمن شركات مثل زيروكس وآي تي تي سي بي إس، وستنجهاوس. حين نعرف كل هذا تتضح  لنا العلاقة المتضافرة والوثيقة بين التعليم وصناعة النشر، حيث يصبح الدور الأساسي لكل منهما سواء في إخضاع المرأة أو في بنية التبعية الثقافية أكثر وضوحا. إن النظرة للدور الذي تمارسه وسائل الإعلام بقدراتها الهائلة في عملية الضبط والترويض الاجتماعي تشغل قلب الجدل المثار حول علاقة الإعلام بقضية المرأة.. ففي تلك الدول أو المناطق التي طورت الأنظمة الإعلامية وأرست هيكلها في وقت لم تكن المشاكل والحاجات الخاصة بالمرأة قد اتضحت بعد، نجد أن القضية الأساسية هي الإصلاح الهيكلي الذي يعكس التغيرات في دور المرأة ومكانتها. ثم هي تضيف إلى ذلك أن للإعلام، بالاشتراك مع نظامي التعليم والتشريع، دورا إيجابيا يجب أن يلعبه في تحسين مكانة المرأة. والواقع أن وسائل الإعلام ما هي إلا نموذج مصغر لتوزيع قوى النفوذ والسلطة في العالم. وفي عالم يكون وصول المرأة فيه إلى مواقع السلطة السياسية والاقتصادية في أغلب الأحيان محدودا إلى درجة كبيرة، إذ تتحدد مكانتها ودورها طبقا لطبيعة الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تميل إلى استبعادها من المشاركة الفعالة. ويكون دور وسائل الإعلام الرئيسي هو تعزيز تلك المفاهيم التي وضعت في إطار ذكوري قام بتأسيسه الرجل ومن أجل الرجل، وإذا اتسع هذا الإطار وسمح للمرأة بالدخول فيه، سوف تعكس وسائل الإعلام ذلك الاتساع.

 

التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *