دية المرأة في الفقه الإسلامي (٢-٣)

د. عارف الشيخ

 

قلنا في المقال السابق إن المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق وأهلية التصرف حق مشروع، وإذا كانت هناك فوارق بين الجنسين فلحكمة إلهية أيضاً، وهذه الفوارق لم تشمل جانب الكرامة الإنسانية ولا الأهلية في الحقوق والتصرف ،بل هي جوانب اجتماعية ونفسية تعرفها المرأة نفسها أكثر من الرجل.

هذا هو ما اتفق عليه الفقهاء، ولكن ما هي تلك الجوانب النفسية والاجتماعية؟ هي ما لم يتفق عليه الفقهاء، فبقيت المسألة دائرة بين المانع والمجيز والمتشدد والمعتدل، ومن هذه المسائل مسألة دية المرأة.

فالمذاهب الفقهية الأربعة الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية ذهبت إلى أن دية المرأة نصف دية الرجل، ولا فرق في ذلك بين أن تكون الجناية على نفسها كاملة بإزهاق الروح، أو على أحد أطرافها.

ونلاحظ أن تلك الفتوى لم تستند إلى آية قرآنية واحدة، وإنما استندت إلى بعض الأحاديث التي لم يتجاوز عددها حديثين أو ثلاثة أحاديث وهي لم ترد في الصحيحين، وهذه الأحاديث هي قول الرسول صلى الله عليه وسلم «دية المرأة على النصف من دية الرجل» (رواه البيهقي).

وقول الرسول صلى الله عليه وسلم «عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديته» (رواه النسائي والدارقطني وابن خزيمة).

وورد أيضاً عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه أصدر مرسوماً قوم الدية وعادلها، فجعل المائة من الإبل تساوي ألف دينار أو اثني عشر ألف درهم، وجعل دية المرأة المسلمة الحرة إذا كانت من أهل القرى خمسمئة دينار أو ستة آلاف درهم أي نصف دية الرجل.

وقد فهم من عمل عمر هذا بأنه سمع ذلك عن الرسول صلى الله عليه وسلم وإلا كيف يعمل بعقله واجتهاده في مثل هذا الأمر؟ ومثل ما ورد عن عمر ورد أيضاً عن علي وابن مسعود وزيد بن ثابت رضي الله تعالى عنهم.

وقد ناقش الإمام الشافعي ما إذا كان المقصود من السنة هي سنة زيد بن ثابت الذي قال بهذا الرأي، أم سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال الشافعي بأن السنة إذا أطلقت يراد بها سنة الرسول صلى الله عليه وسلم.

أقول: وقد رأينا كيف فهموا من هذا الأثر وغيره بأن دية المرأة في الأطراف نصف دية الرجل، أو أنها تستوي مع الرجل إلى الثلث، وبعد ذلك تنزل إلى النصف.

وقد أفتى الحنفية والشافعية بأنها النصف من دية أطراف الرجل مطلقاً.

أما المالكية والحنابلة فإنهم قيدوها فقالوا إنها تتساوى مع الرجل حتى الثلث، وترجع إلى النصف من بعد الثلث.

إذن كان ذلك إجماعاً من بعض الصحابة، وبناء عليه أخذ به أصحاب المذاهب الفقهية الأربعة، إلا أن الآخرين رأوا بأن عدم المساواة يعني عدم الإنصاف، والقرآن الكريم لم يذكر نصاً قطعياً يدل على أن دية المرأة نصف الرجل، أما الحديثان الواردان فيقول عالم مجتهد مثل أبي زهرة إنهما من أحاديث الآحاد على افتراض حجة ورودهما، وأحاديث الآحاد لا تنسخ الحكم القطعي الوارد في القرآن الكريم.

إذن وجب أن تكون دية المرأة مثل دية الرجل صوناً لكرامتها الإنسانية، ولقوله عليه الصلاة والسلام «وفي النفس المؤمنة مئة من الإبل» (رواه النسائي) أي دية كاملة، وقد ذكر الرازي في تفسيره بأن أكثر الفقهاء ذهبوا إلى أن دية المرأة نصف دية الرجل إلا أن الأصم وابن علية ذهبا إلى أن ديتها مثل دية الرجل لقوله تعالى «ومن قتل مؤمناً خطئاً فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله» فهذه الآية ساوت بين الرجل والمرأة، وهي نص قطعي.

 

الخليج

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *