صُنّ النفسَ

زينب المحمود

 

مما قرأت وأعجبني؛ أن حجراً ثقيلاً وقع على ذيل ثعلب، فقطع ذيله، فرآه ثعلب آخر مثله، فسأله: لم قطعت ذيلك؟ فرد عليه: أشعر وكأنني أحلق في الهواء، ويا لها من متعة. فقطع الثعلب السائل ذيله، لكنه شعر بألم ممض ولم يشعر بأي متعة. فسأله: لِمَ كذبت عليَّ؟ قال: إن أخبرت الثعالب بألمك هذا فسيسخرون مني ومنك. فعليك قول ما قلته فحسب، فظلوا يخبرون كل من وجدوه بمتعتهم، حتى أصبح أغلب الثعالب من دون ذيل، ثم بلغ الأمر أن صاروا يسخرون من كل ثعلب له ذيل.

ما أريد قوله من هذا التمهيد: إن الفساد ينطلق كشرارة تصيب الصالحين فتفسدهم وما زالت تضطرم فيهم حتى تفني صلاحهم، وكل ذلك بسبب اتباع هواهم وضلالهم، فإن عمّ الفساد بين العباد، أصبح الناس يعيّرون الصالحين بسبب صلاحهم، حتى يصبحوا للسفهاء سخرية، بعد أن كانوا سادة وحكماء وعارفين.

عند معاينة الناس ومخالطتهم تجد عدداً كبيراً منهم يسعون إلى الفساد ودحر الرشاد لفساد أصابهم بجهل أو من دون وعي وهم بين الناس ذوو منزلة، فساروا في الناس فساداً مستغلين مكانتهم بين الناس وسؤددهم، والناس لهم مصدقون ولتوجيهاتهم مؤتمرون دون تفكير أو وتمحيص أو تحكيم عقل واتباع هدى أنزل من السماء لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

إن المجتمع الفاسد إنما فسد بفساد الصالحين، وضلّ بضلالهم، وبانقياد العوام لهم بجهل وعمى، «ليأتين على الناس زمان يعيَّر المؤمن بإيمانه كما يعيّر اليومَ الفاجر بفجوره حتى يقال للرجل إنك مؤمن فقيه»، فإذا لم يجد المجتمع الفاسد للمصلحين تهمة عيّرهم بصلاحهم ورشادهم. فيا للعجب أوصلنا لزمان يعيَّر المرء بأحسن ما فيه!

فحتى نكون راشدين، وبالإفساد وأهله عارفين، ولمرامي قولهم وفعلهم مدركين، علينا أن نتبع أمراً واضحاً، وقيماً مستقيمة، وحقاً أبلج، بدلاً من سماع بشر، واقتداء بفعلِ مَنْ قد يضِلّ ويُضَلّ، فلذلك علينا السعي الدؤوب لإصلاح كل فساد بالاحتكام إلى العدل والنور الإلهي الذي ارتضاه لنا ربنا، وعلينا ترك سبيل المفسدين، ولنتذكر في ذلك قول الله تعالى على لسان قوم لوط: «أَخْرِجوا آلَ لوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهم أُناسٌ يَتَطهَّرون»، لكن لوطاً نجا، وهلك من طغى وبغى وتجاوز الحد في الفساد والضلال.

فعلينا جميعاً إصلاح أنفسنا والصدق معها وقبولها كما هي وعدم ترويجها في حالة ضلالها كسوية راشدة، حتى لا نكتب عند الله من المضلين المفسدين. (اعف نفسك من وزر غيرك، فنفسك لا تطيق وزرها، فكيف ستحمل وزر غيرها؟). ولنتذكر جميعاً أن الصلاح يبلّغنا دروب العلا والنور في الدنيا والآخرة، وأن الفساد والضلال يهوي بنا في قعر الخيبة والفشل في الدنيا والآخرة. فلنصن أنفسنا من الكذب والتدليس والفساد ولنحملها على ما يجمّلها لنبقى أحياء في الدارين.

صن النفس واحملها على ما يزينها

تعش سالماً والقول فيك جميـل.

 

العرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *