لن تكون حرًا بمجرد معرفة التحرر

هدى بنت فهد المعجل

 

يقول أندريه جيد: «من السهل أن تعرف كيف تتحرر، ولكن من الصعب أن تكون حراً».

العلم بالشيء لا يعني القدرة على الإتيان به. فالإنسان يعرف أن من سلب حقه «فلان من الناس»، ويعرف السبيل لاسترداد حقه، لكنه «وبسبب قوة فلان السارق» لا يستطيع استرداد حقه منه، هنا يشعر بالعجز رغم قدرته، وبالضعف مع قوته، وهي أصعب حالات الشعور ألماً نفسياً وصراعاً ذهنياً وفكرياً.

المعرفة: بناء على تعريف قرأته لها، هي الإدراك والوعي وفهم الحقائق أو اكتساب المعلومة عن طريق التجربة أو من خلال التأمل في طبيعة الأشياء وتأمل النفس أو من خلال الاطلاع على تجارب الآخرين وقراءة استنتاجاتهم.

المعرفة مرتبطة بالبديهة والبحث لاكتشاف المجهول وتطوير الذات وتطوير التقنيات. بينما، التحرر مفهوم فضفاض يختلف معناه من شخصٍ لآخر بناء على وضعه الذي يعيشه، وبناء على حاجته من التحرر ومبتغاه، لذا من الطبيعي مواجهة فئة لديها حساسية من كلمة «تحرر وحرية» ليس لأن مفهوم التحرر سيئ سقيم بقدر ما أن فهمهم أو فهمه للتحرر هو السيئ السقيم الذي هو خلاصة مواقف سيئة مروا بها أو عاصروها، وربما المعرفة التي تكوّنت لديهم عن التحرر معرفة غير مكتملة، وأغلبهم لا يريد اكتمالها فيرى التحرر من زاوية سلبية لأنه لا يرغب في رؤية زاوية التحرر الإيجابية!. يسجن عقله في مفهوم واحد للتحرر ليصبح أسيراً لهذا المفهوم القاصر المبتور، غير حر لتلقي وتقبّل مفاهيم غيرها أوسع وأشمل وأصدق فتنطبق عليه عبارة جيد، الجزء الثاني منها «لكن من الصعب أن تكون حراً» وأضيف: في فهمك للتحرر!.

مشكلة بعضنا مع التحرر عدم قدرتنا على تحرير عقولنا من الأفكار السقيمة والعادات البالية التي تقيّد أفعالنا وسلوكنا. عدم قدرة على تجاوز عادات وتقاليد وأعراف تعاملنا معها كما لو كانت شرعية في حين أن المشرّع لم يتطرق لها بمعنى لم يشرعها أصلاً. عرف ذلك، تأكدنا بأنه لا وجود لها في الشريعة، عرفنا السبيل لتركها والخروج منها والقضاء عليها ورفضها أو محوها تماماً من المجتمع، ولكن، وبكل أسف صعب علينا أو على أغلبنا التحرر منها الخروج عليها فأصبحنا أسرى لها بمعرفتنا وليس بجهلنا وعدم علمنا.

بين معرفة الحرية وبين التحرر شخصية عاجزة عن فعل التحرر.. ولا أقصد به الحرية المطلقة إنما الحرية النسبية. نعم لم يولد الطفل حراً لكنه اكتسب الحرية مع الوقت أثناء حياته. يُولد الطفل لم يختر والديه ولا اسمه ولا دينه ولا معتقده. طبيعي كونه لم يُولد حراً فيختار اسمه «مثلاً» لأنه في عمر لا يملك الإدراك ليختار اسمه. وهذه ليست مشكلة كما قلت، هي وضع طبيعي لكل كائن بشري، غير الطبيعي أن لا تكتسب حريتك مع الوقت!. وغير الطبيعي اكتسابها اكتسابا مطلقاً تماماً. الحرية أن نعرفها جيداً ثم نكتسب منها أو نحققها لنا قدر استطاعتنا وحاجتنا. الحرية إدراك وممارسة معقولة بحسب طبيعتك وبيئتك ومجتمعك وأشياء كثيرة عليك إدراكها. يحدث أن ندرك الحرية، ندرك كيف نتحرر لكن يصعب علينا أن نكون أحراراً لأسباب كثيرة في السياسة أو البيئة أو من المجتمع أو من الإنسان نفسه.

من يقول إنه لا يُوجد فرد لا يريد أن يكون حراً مقولة غير سليمة. هناك أفراد يعرفون الحرية ويعرفون كيف يتحررون، لكن يصعب عليهم أن يكونوا أحراراً لأنهم لا يريدون ذلك.

بمعنى هناك أفراد يعرفون الحرية، يسهل عليهم التحرر، لكن يجدون صعوبة مع أنفسهم في أن يكونوا أحراراً. لديهم مشكلة ذاتية أو صعوبة في مواجهة الذات. إذاً عبارة أندريه جيد تفتح على معانٍ كثيرة واحتمالات عدة بشأن المعرفة والتحرر والقدرة على فعل التحرر أو عدم القدرة لأسباب ذاتية أو موانع خارجية.

 

الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *