لماذا لم نتزوج “حتى الآن”؟

هديل أبو غالي

 

تقول: لماذا لم تتزوجي حتى الآن مع أنك فتاة جيدة؟ وهل الفتاة التي لا تتزوج هي غير جيدة؟! كثير من الفتيات وكذلك الرجال يواجهون مثل هذه الأسئلة خاصة بعد بلوغهم الثلاثينات من العمر. إن الذي خلق الناس مختلفين عن بعضهم في كثير من الأمور هو من خلق اختلاف شئونهم وأقدارهم، لماذا ليس كل الناس بنفس طول القامة وبنفس الذكاء وبنفس لون البشر وبنفس الصحة والقدرة؟! لماذا هناك أناس ينجبون وأناس لا ينجبون؟! لماذا هناك أثرياء ومتوسطي الحال وفقراء؟! لماذا ملامح الناس مختلفة حتى الأخوة؟! لماذا تجاهلتي كل ذلك وفقط افترضتي أنهم يجب أن يتماثلوا في سن الزواج؟!

إنك لا تديرين الكون ولا تملكين العلم والحكم لإدارة الكون؛ لذلك يبقى عقل الإنسان قاصرا في فهم تدبير الله للكون. لنفترض مثلا أن كل الفتيات بالغات الجمال والذكاء والثراء ويتزوجن في نفس السن الذي يفترضون الناس وجوب زواجهن به من 18 إلى 25 عاما مثلا، هذا يعني أن الرجل الذي يصبح أرملا في سن 45 عاما مثلا لن يجد فتاة يتزوجها لأن كل الفتيات يتزوجن في بداية العشرينات وهن بالغات الجمال والذكاء وكل شيء وبالتالي لن تقبل بالزواج بأرمل يكبرها ب أكثر من 20 عاما! لن تقبل الزواج برجل فقير، لن تقبل الزواج برجل مريض، لن تقبل الزواج برجل مطلق، حتى لن تقبل الزواج بأعزب متقدم في العمر وهكذا.

إذا حازت المرأة كل شيء فإنها تريد في المقابل كل شيء، والرجال في عموم أحوالهم لا يمتلكون كل شيء، اختلاف أحوال النساء ما بين الجمال والذكاء والظروف من اختلاف أحوال وظروف الرجال أنفسهم، حتى يستطيع الرجل الذي هو بحاجة للمرأة أن يجد المرأة دائما بجواره، لا ألا يجد أي امرأة تقبل به أساسا! لذلك لا تعتقدي أن فلانة لم تتزوج بسبب ملامح وجهها أو طولها أو لونها أو تعليمها أو ظروفها المادية … ألخ، هناك رجل يناسبها وتناسبه قد تلتقي به في سن أو مرحلة معينة من حياتها لست أنت من تحددينها أنها يجب أن تكون في العشرينات! الله هو من يصرف أمور البشر.

ولا عليك، قد تقضي المرأة عمرها دون زواج، مثلما أن المرأة قد لا تنجب وقد لا تحتفظ بصحتها وقد تفشل في دراستها، لا يوجد شيء يتم بنسبة 100 في المئة حتى في الطبيعة والعلم؛ لكن الناس أقل تقبلا لطبيعة أنه ليس كل الناس رجالا ونساء قد يتزوجون. قلت سابقا أن الحل الأمثل للموضوع الذي يسمونه (العنوسة) هو تقبلها!، لا يوجد شيء يمكن فعله حتى يتزوج جميع الناس، الناس مختلفون عن بعضهم وبالتالي المدخلات مختلفة فمن الطبيعي جدا أن تكون المخرجات مختلفة! لقد قلت مرارا لبعض من ينظمون ندوات وورشات حول “القضاء على مشكلة العنوسة” أن العنوسة ظاهرة اجتماعية طبيعية ادعوا الناس لتقبلها والتعامل معها، لا يمكنكم حل “مشكلة” تقوم على الخيارات الشخصية الخاصة للأفراد؛ لكن يمكنكم فقط حث الأفراد على أن يكونوا أكثر تقبلا للمرأة التي لم تتزوج بغض النظر عن الظرف. لا يوجد شيء يمكن أن تفعلوه ليتزوج كل الناس!

وبالتالي الثقافة العامة للناس في المجتمع يجب أن تهيئهم لفكرة أن ابنتهم قد لا تتمكن من الزواج بغض النظر عما يرونه سببا لذلك، وعليه يجب أن تبقى ابنتهم تحظى برعاية أسرتها بشكل طبيعي لا أن تتعرض للضغط المعنوي حتى منذ العشرينات من العمر بأنها “كبرت وتأخرت ويجب”! أما لماذا ترفض بعض الفتيات عدة فرص للزواج؟ فهذا لأنها هي من تقرر حياتها وليس افتراضات من يحيطون بها أنها بمرور الوقت “تكبر وتتأخر ويجب” أن تتزوج في مرحلة عمرية معينة حتى وإن تزوجت رجلا لا تعتبره مناسبا لها، ثم بعد ذلك إن تطلقت يتركون لها مطلق اللوم لنفسها وينسحبون بهدوء من التدخل في حياتها!

وإن بعض الفتيات يفضلن أن يحفظن أنفسهن دون زواج حتى يأتي الرجل الذي يعتقدنه مناسبا عن أن يقدمن على زواج خال من المودة والرحمة أو يبعث لهن على الشقاء فيما تبقى من عمرهن. فالمرأة الناجحة ليست مجبرة على أن يشاركها “الفشل” تفاصيل حياتها فيما تبقى من عمرها، ليست مجبرة على أن تبني ليشاركها من يهدم، وكذلك الرجل، ليس مجبرا على الزواج بامرأة يعتقد أنها لا تناسبه وأن يربط بها حياته وتكون أم أبناءه. قد تكون غير المتزوجة في نظرك ونظر غيرك فاشلة أو حتى غير مرغوبة؛ لكنها أنقذت إنسانا أو أكثر من أن يكون ضحية لزواج فاشل أو أب لا يستحق أو طلاق مدمر!، ولم تكن زوجة سيئة او خائنة أو أم فاشلة الأخلاق والسلوك.

تأخر زواج المرأة أو عدم زواجها ليس بأشد صعوبة من كيف تكون المرأة بعد زواجها، كفوا عن تحديق مجهركم الذي “يبعد كل شيء” في المرأة غير المتزوجة فقط! إن غير المتزوجين الذين يسميهم البعض “متأخرين” يتعرضون للضغط المباشر وغير المباشر المعنوي في مجمله والمادي أحيانا؛ فحينما قال تعالى: “لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا” لم يكن ذلك يعني أن يستثقل الآباء والأمهات بناتهم لأنهن تجاوزن السن الذي يفترضونه للزواج! ولم يكن يعني أن الأبناء الذين هم زينة ونعمة يتحولون إلى “عبئ ثقيل” يراد التخلص منه لأنه “يجب أن يتزوجوا”، ولم يكن يعني الضغط معنويا على الفتاة لأنها خلقت ” غير جميلة ” في نظرهم وبالتالي فرصتها في الزواج أقل في نظرهم أيضا!

يتحول كل ذلك من شكر للنعمة (نعمة الأبناء) إلى جحودها والكفر بها! إن الإنسان غير المتزوج شاب كان أم فتاة يعاني من إلحاح فطرته الطبيعية ومنك! وعندما يحفظ نفسه من الوقوع في الخطأ رغم الالحاح؛ فهو شخص يستحق الاحترام وأقصى تقدير من محيطه؛ فهناك غيره وقعوا في الخطأ حتى وهم متزوجون! لا يستحق القسوة أو المعايرة بحالته الاجتماعية أو النظر إليه كشخص أقل قيمة وأهمية أو كثرة مطالبته بفهم العلاقة الطردية المفترضة بين الزمن وسرعة الزواج وبالتالي اختصار المسافة!

زواجك كمسمى ليس انجازا تعاير به الآخرين غير المتزوجين “وأنت ظالم لنفسك”! هذا يحدث منذ خليقة البشر، ليس ابداعك او انجازك الخاص! ليس كل الناس يا عزيزتي خاصة مع كثرة الطلاق ومشاكل الزواج مستعدون لأن يكونوا في مواقع يشقون بها، يشاركون فيها آخر ليس أهلا للدخول لحياتهم، وبالتالي هم لم يجدوا حتى الآن الشخص المناسب لحياتهم. وليس كل الرجال لديهم ما يكفي من المال لتحمل نفقات الزواج لذلك يتأخرون. وإن بعض الفتيات يمررن بظروف لا تساعدهن على الزواج. أو تصادف انقضاء أغلب عمرهن دون أن يصادفن الرجل المناسب لحالهن وظروفهن فقضين عمرهن دون زواج.. عفوا استفضت كثيرا، نعود للموضوع الأساسي، هل كنتي تسألينني عن شيء؟ كنت فقط أستفسر لماذا تتزوجي حتى الآن؟ لا فائدة!، إنه شأني الخاص وليس شأنك أو شأن أحد، “خيالك العلمي” لا يكفي لمعرفة أسباب هذا الأمر لا تشغليه به!

 

مدونات الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *