بيتكِ -أيتها الملكة- في رمضان

إنعام عبد الفتاح

 

أيتها الأم الفاضلة: أنتِ الملكة!

أيتها النبيلة الكريمة: أنتِ ملكة بيتك! بيدكِ إدارة شؤون البيت، وعلى عاتقكِ تقع المسؤولية الأكبر، بيدكِ أنتِ أن تجعلي بيتك في شهر رمضان لهذا العام جنةً، ومكانًا آمنًا كله رحمة وخير ومحبة وتواد وفعل للصالحات، أو -لا قدر الله- العكس! أنتِ -وأكثر من الأب حتى- من بيده التغيير الكامل الشامل لأهل البيت، والأقدر على تنظيم جدول رمضان لكل الأبناء بل ولأبيهم أيضًا!

نحن هنا في مقالتنا هذه سنحاول أن نكون معكِ، ونتشارك بعض الأفكار والمقترحات والخطوات العملية الواقعية والبسيطة لمساعدتكِ في جعل بيتك في شهر رمضان المبارك هذا العام قطعةً من الجنة بإذن الله. فتفضلي معنا -أيتها الأم الملكة الفاضلة- لنتكلم فيها:

 

1– زيني بيتك

يجب أن يشعر الأبناء أن أيام شهر رمضان الكريم أيام مختلفة ومتميزة ومبهجة، يجب أن يستشعروا التغيير القادم في هذا الشهر، وأن يفرحوا به، ويرتبط عندهم في ذكرياتهم بالسعادة والأفراح. تذكري أن أصحاب المعتقدات الأخرى يربطون مواسم الطاعات عندهم بالاحتفال والتغير والرموز المبهجة، فلماذا تجعلين ابنك أو بنتك يتحسرون، فمن الأولى بذلك؟! ولكن لا تبالغي في الزينة الرمضانية، ويمكن أن لا تتكلفي بشرائها ما دام يمكنكِ أن تصنعيها بنفسك، ولو ببعض الورق والبالونات، فالهدف إدخال السرور على أهلك وأولادك، وليس التفاخر بالزينة أمام قريباتك وجاراتك!

 

2– التهيئة النفسية المسبقة

فكما تفعلين وأنتِ حامل حين تهيئين أطفالكِ لقدوم أخٍ جديد، وكما تحرصين على تهيئة أبنائكِ نفسيًا قبل رحيلكم إلى منزلٍ جديد بأيام وربما أشهر، أريدكِ أن تهيئي أبناءكِ لشهر رمضان المبارك، كثيرًا ما نسمع تساؤل وربما تذمر الأبناء أن لماذا علينا أن نصوم؟ هل يريد الله تعذيبنا بالعطش في يومٍ حارٍ متعب؟! ولو أن الأهل جلسوا مع أبنائهم قبل الشهر الفضيل وشرحوا لهم وهيؤوهم نفسيًا لهذا الشهر وما فيه من عباداتٍ وما فيه من خيراتٍ وأنوارٍ وبركاتٍ وحسناتٍ لأقبل الأبناء عليه بكل طيب نفسٍ وأريحية وسرور. فرجائي لكِ أيتها الملكة المسؤولة عن رعيتها في المنزل: أن تجلسي مع أبنائكِ جلسة تهيئة، وأن تخططوا وتتفقوا معًا على ما ستفعلونه في شهر رمضان المبارك.

 

3– الاتفاق من البداية على كل شيء

في رأيي هناك ثلاثة أمورٍ مهمة يجب الاتفاق عليها بين أفراد الأسرة الواحدة في شهر رمضان؛ بل ومن البداية، وبرضا الجميع، وهي:

أ ) اتفقوا على مهام كل منهم في أعمال المنزل، ضعي لهم جدولًا لكل الشهر يتضمن المهام المطلوبة من كل منهم وحددي لهم زمنها، أعني مثلًا أن غسيل الأطباق يوم الأحد على البنت فلانة، بينما هو كل اثنين على البنت علانة، وأن مهمة شراء حاجات البيت كل ثلاثاء على الابن فلان، بينما في يوم الخميس هي على الابن علان، وهكذا. حتى الصغار منهم يمكنهم المشاركة مع التشجيع فينجزون أمورًا قد تعتقدينها صعبةً عليهم، أعرف أمًا صالحة كانت تجعل لابنها ذي الثماني سنوات مهمة تنسيق مائدة الإفطار.

 

وبالطبع أوصيكِ أن يكون جدولًا واضحًا، وعادلًا بينهم، ويشمل الجميع ذكورًا وإناثًا، ويراعي أعمارهم وقدراتهم ودراستهم وامتحاناتهم، ومن المهم جدًا أن يكون مكتوبًا وليس شفهيًا، ومعلقًا من بداية الشهر في مكان واضح أمام الجميع، صدقيني هكذا سيقل تذمرهم واعتراضهم وستنجز المهمات كلها دون صراخك وعصبيتك في هذا الشهر الفضيل.

 

ب ) اتفقوا على قوانين البيت في هذا الشهر الكريم، ولكل أسرةٍ قوانينها وتعليماتها الخاصة بها، مثلًا ساعات النوم والاستيقاظ والدراسة والتلفاز، وهل يسمح بخروجهم مع أصدقائهم بعد الإفطار أم لا، وهل تقبلون فكرة أن يعزموا أو يُعزموا من أصدقائهم على الإفطار مثلًا أم لا، وهكذا. ساعديهم في تنظيم وقتهم، فكثير من الأبناء لا يعرف كيف ينظم وقته ويحتاج للمساعدة والمتابعة منكِ.

 

ج ) وهذا هو الاتفاق الأهم: اتفقوا على جدول عبادات شهر رمضان المبارك

أذكركِ أنك أنت الأم، أنت الملكة لبيتك، فخططي جيدًا للحفاظ على مملكتكِ، ولصحة إيمان رعيتك وقلبهم، تذكري قول قدوتنا النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»، إيمان أولادكِ وصلاحهم وتعودهم على العمل الصالح وأخلاقهم وتعاملهم الجيد مع الناس و… هذا كله لكِ أنتِ الدور الأكبر في غرسه فيهم، وأجواء شهر رمضان المبارك تعينكِ بإذن الله فاغتنميها.

كثير من المشاهير حين يروي ذكرياته مع شهر رمضان يكون من ضمن حديثه: كانت أمي تفعل كذا، وعودتنا أمي في شهر رمضان على كذا، وكانت أمي تصر علينا أن نفعل كذا وكذا في شهر رمضان… إلخ، إذن الأم هي التي تجعل من شهر رمضان المبارك شهرًا مميزًا، وهي التي تغرس في أبنائها وتعودهم على قيم وأفعال معينة فيه. فاحرصي أن يذكركِ أبناؤك مستقبلًا بفعل صالح مميز كنتِ تعودينهم عليه في كل رمضان.

لذا أهيب بكِ أيتها الملكة النبيلة اللبيبة أن تجلسي مع أبنائكِ جلسة تضعون فيها جدولًا لعباداتكم في رمضان، طبعًا بما يناسب أعمارهم وقدراتهم، وبحيث يكون متدرجًا في الارتقاء بالعبادات، فمثلًا أن يقرؤوا في البداية خمس صفحاتٍ من القرآن الكريم يوميًّا، ثم يزيدونها تدريجيًا حتى يصلوا لقراءة جزء كامل في الأيام الأخيرة، وهكذا مع الذكر وغيره.

 

4– التلفاز والسوشال ميديا

أكبر لصوص شهر رمضان المبارك؛ بل وأكبر لصوص الطاقة والهمة والحيوية والنشاط من الإنسان! من التجارب نعلم جميعًا أن إطالة الجلوس أمام التلفاز أو على الهاتف والأيباد (وما فيه من واتساب، وفيسبوك، ويوتيوب، وإنستجرام، وألعاب، و…) يسحب الطاقة الإيجابية ويسبب الخمول! لذا احذري، ثم احذري، ثم احذري، وامنعي نفسكِ أولًا وأبناءكِ ثانيًا من إطالة استخدامه، خاصةً في هذا الشهر الفضيل الثمين الوقت.

وكما تمنعين أبناءكِ من هذه الأجهزة أيام امتحاناتهم ودراستهم فالأَولى منعها أو على الأقل تخفيفها في هذه الأيام الثمينة الوقت، يمكن الاتفاق معهم على ساعةٍ واحدةٍ فقط لهذه الأجهزة، وأن يختاروا برنامجًا واحدًا أو اثنين فقط لمتابعتهما على التلفاز، مع الانتباه أن تكون هذه البرامج مفيدة، وربما مسلية، ولكن ليس فيها محرمات أو تفاهات، ومع الانتباه ألا يتابع الواحد منهم بعد برنامجه البرامج الأخرى التي يتابعها إخوانه، فلكل منهم اختيار برنامج واحد أو اثنين فقط (ويفضل أن يختاروا جميعًا البرامج نفسها في الساعة نفسها)، وهنا أقترح عليكِ أن تعرضي عليهم حلقات كرتون قصص الأنبياء وقصص السيرة النبوية وقصص العظماء، والبرامج التاريخية، فأغلب الأبناء يرفضون مشاهدة هذه البرامج في الأيام العادية لكنهم يوافقون على حضورها في شهر رمضان المبارك.

أهم شيءٍ ألا تكوني أنتِ نفسكِ مدمنةً التلفاز وبرامجه، وتُمضين الشهر وأنتِ تتنقلين بين مسلسل وفيلم وبرنامج أسرة وبرنامج طبخٍ وبرامج الفوازير والمقالب و…!

إذا كان رب البيتِ بالدف ضاربًا ** فـشيمةُ أهل البيت كلهمُ الرقصُ!

صدقيني كل هذه البرامج لن تضيع -وإن كان ولا بد- فستعاد كلها بعد شهر رمضان، عدا عن وجودها على الشبكة العنكبوتية، ولكن فضل رمضان وخيره وأجواءه الإيمانية ونفحاته وخيراته وحسناته هي التي لن تُعاد أبدًا!

 

5– لا تغضبي

أرجوكِ لا تجعلي هذا الشهر الكريم يرتبط في ذهن وذكريات أبنائكِ بالصراخ والغضب والعصبية والمشاكل والنكد و…! خاصةً ساعة الإفطار التي تنقلب لدى البعض لساعة «الطُوش» والمشاكل! أرجوكِ لا تجعليهم يكرهون الشهر الفضيل أو يخافون أو يقلقون منه! وتذكري: الرفق جوهرة، و«ما كان الرفق في شيءٍ إلا زانه وما نُزع من شيءٍ إلا شانه».

 

6– لا تهوني العبادة في نظرهم

فكما أنكِ مثلًا تصرين على بنتكِ أشد الإصرار ألا تنام حتى تغسل الأطباق، أو ألا تخرج مع صديقتها حتى ترتب غرفتها، أو ألا ينام ابنك حتى يغسل أسنانه، أو ألا يضع ملابسه المتسخة في الخزانة، أو… فالأَولى أيتها الأم الطيبة الملكة المسؤولة أن تحرصي وتصري عليهم في أمور العبادة، مثلًا: لا تسمحي له بالنوم قبل أن يصلي العِشاء، وأن لا تهوني خطأه مع زميله أو ابن جيرانه، ولا تعينيه في غِيبته أو سبابه لأصحابه أو مدرسيه، ولا تهوني في نظرها أمر الحجاب، ولا تقبلي نهائيًّا منه التلفظ بالألفاظ الخارجة، ولا تسمحي لهم بالنوم عن صلاة الفجر، وهكذا. بالطبع الأمر يحتاج ملاطفةً وإقناعًا، ولكنه أيضًا يحتاج أن يرَوْا منكِ فيه حزمًا وعدم تهاون. فحرصكِ على دراستهم وصحتهم في دنياهم، أوْلى منه حرصكِ على امتحانهم الأعظم يوم القيامة. وتذكري: «يا أيها الذين آمنوا قُوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة».

7– اصنعي أجواءً رمضانيةً أسريةً جميلة، مثل المسابقات وأجواء التنافس الطيب واحسبي لهم النقاط واجعلي لهم المكافآت، وكذا أجواء الضحكِ والمرح واللعب وكل ما يشكل لهم مستقبلًا الذكريات الجميلة المرتبطة بهذا الشهر الكريم.

 

8– مشروع الأسرة الخيري

وهذا برأيي أروع ما تجتمع عليه الأسرة معًا في شهر رمضان المبارك، وكم من عائلاتٍ نبيلة كريمة تفعل ذلك فتجد فيه من الخيرات والرحمات والتواد والتآلف والبركات ما الله به عليم! الناس تتصدق وتعمل الخير في هذا الشهر لكني هنا أقصد اجتماع أفراد الأسرة جميعًا صغارًا وكبارًا والاشتراك في عملٍ خيريٍ تسمونه مشروع الأسرة الخيري، تأملي معي أن تجتمع كل رعية مملكتكِ بكبارها وصغارها وتتعاون لإنجاز مشروع خير يرضي الله عنكم كأسرة، تخيلي جبال الحسنات، وعظيم الهِبات وتنزل الرحمات والبركات، وتأملي القِيم التي تنغرس في نفوس رعايا مملكتكِ بهذا المشروع!

وإليكِ هنا في عجالة بعض هذه المشاريع الأسرية البسيطة العظيمة النفع، فاختاري منها أو من غيرها مشروعًا ونفذوه في أسرتكِ:

– إحدى العائلات النبيلة كانت بناتها يطبخنَ –ولو أصنافًا بسيطة غير مكلفة من الطعام-، ومن ثم يقوم الأولاد بحمل هذا الطعام للمسجد ساعة المغرب وإطعام من يتجمع فيه من الفقراء والمساكين.

– إحدى العائلات الطيبة كانت تجتمع مرةً كل أسبوع لتوزيع المياه والتمر على الإشارات المرورية ساعة الإفطار للعابرين الذين تأخروا عن بيوتهم.

– عائلة أخرى كان يجتمع كل أبنائها صغارهم وكبارهم لترتيب وصنع طرد خيري من حواضر بيتهم (يرتبونه بأنفسهم وليس من الطرود الجاهزة) ثم إرساله إلى عائلة مستورة.

– عائلة رابعة كانت تعزم الأطفال الأيتام أو المحتاجين من أبناء جيرانهم على مائدة الإفطار معهم، (ليس فقط ترسل لهم طبق طعام؛ بل تعزمهم عندها ضيوفًا)، ثم يشترون لهم بعد الإفطار الحلوى والمثلجات مثلهم مثل أبنائهم.

– عائلة خامسة كانت تحث أبناءها على أن يتبرع كل منهم بما تجود به نفسه من ملابسه وألعابه لأطفال محتاجين.

– عائلة سادسة كانت تأخذ بعض الأطفال المحتاجين والأيتام من أبناء جيرانهم معهم حين يذهبون إلى مدينة الألعاب ويدفعون لهم ثمن الألعاب مثلهم مثل أبنائهم. (طبعًا بعد الاستئذان من أهل هؤلاء الأطفال المحتاجين)، فالفكرة هنا ليست فقط التصدق على هؤلاء المحتاجين؛ بل وإشعارهم أنهم مثلنا ومثل أطفالنا، وغمرهم بشعور الأبوة والحنان.

– عائلة سابعة كانت تجمع من مصروف وصدقة أبنائها ما تجود به أنفسهم وتذهب إلى دكان الحارة (السوبر ماركت) وتطلب دفتر الديون وتسد ديون بعض العائلات العفيفة التي استدانت من هذا الدكان!

وهكذا فالأفكار كثيرة، وأبواب الخير عديدة؛ فأقبلوا ولا تُحجموا، المهم أن يكون لأسرتكِ الجميلة مشروع خير تفعله في هذا الشهر الكريم.

 

9– لا للعشوائية

صدقيني أيتها العفيفة الشريفة، النبيلة الكريمة: بالتخطيط وعدم العشوائية، وبالاتفاق والوضوح مع أبنائك من البداية، وبكتابة جميع ما تتفقون عليه من جداول ومشاريع، وبتعليق ذلك أمامهم، وبالتزام العدالة، بكل هذه الأمور أبشركِ: سيقل تذمر الأبناء واعتراضاتهم وتمردهم كثيرًا، وأنتِ سترتاحين، وستجدي أن الشهر الفضيل يمضي بسلاسة وهدوء وتنظيم واستقرار بإذن الله تعالى، وستنجحي في جعل بيتكِ نورًا يتلألأ وسط بيوتٍ مظلمةٍ كثيرة، أو ذات نورٍ خفيف! ستنجحي -بإذن الله- في جعل بيتكِ قطعة من الجِنان وبستانًا من الخيرات.

 

ساسة بوست

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *