ليس عليك إثبات أي شيء

ميسون الدخيل

 

أرسلت إليّ الصديقة العزيزة الدكتور منيرة العكاس مقولة لأحد المشاهير، يقول فيها: «لا تضيع عمرك لتثبت لهم أنك ناجح.. أخبرهم بأنك فاشل، وسيصدقونك فورا، ثم عش حياتك على طريقتك وبأسلوبك، فهذا هو النجاح الحقيقي»، وأضافت: «ما رأيك يا دكتورة»؟ هنا توقفت، فالتي تسألني مثقفة من الدرجة الأولى، ولديها خبرة في التربية والتعليم والحياة، أمر يجعلني لا أستعجل في الرد، بل يجعلني أفكر في الموضوع من عدة زوايا، فجاء ردي كالتالي: «إن كان الأمر يتعلق بإثبات النجاح؟ فإن الأفعال كافية ودليل بحد ذاتها، ثم إن المرء ليس مجبرا أن يثبت نجاحه، أو يعلن فشله لأي أحد، ولكن إن دخلنا في دوائر المشاعر، فتلك قضية أخرى! فمثلا يوجد ما يشعر المرء به، وأحيانا كثيرا يكون واثقا منه، بأن السائل لا يريد له الخير، وهنالك من لا يريد أن يصدق، وسيشكك بكل شيء! ولكن يجب ألا تفوتنا نقطة هامة، وهي مسؤولية الفرد عن إبراز القدوة الحسنة من أجل تشجيع الغير خاصة الشباب، على المضي والاستمرار والإيمان بذاتهم، إذًا الأمر محدد بمن تتعامل معه، وقبل ذلك كيف ترى أنت ذاتك»، فما رأيكم أنتم؟ هل نحتاج فعلا أن نثبت نجاحنا، أو ذاتنا للغير؟

أهم شيء بالنسبة للإنسان أن يشعر بالتوازن بين مشاعره وبين فكره، لأن أي خلل قد يؤدي إلى عدم الارتياح، وربما التشتت، وحين يقضي المرء جلّ وقته خائفا أو قائما بكل ما يظن أنه سيوصله إلى اجتياز المعايير التي قد تكون وضعت أصلا من أشخاص لا يعرفهم شخصيا، أو هم داخل دائرة حياته، فإن ذلك سيتسبب له في الشعور بالقلق! وبدلا من أن يعمل على تحقيق اختيارات هو يرغب فيها، يتخذ طريقا يوصله إلى الرضا والقبول من الآخرين! لماذا يجب على المرء أن يرى ذاته في أعين الآخرين؟ لا يفعل ذلك إلا من يفتقد الثقة بذاته، وربما تربّى على أن يستمد ذاته ممن هم حوله! يقول أحد الحكماء: «هناك خيط رفيع بين الرغبة في الإرضاء والرغبة في الإقناع»، فإذا كنت تريد أن تحقق هدفا أو رؤية أو مشروعا فإنك تستخدم حينها مهارات الإقناع، علما بأنه يجب أن تكون لديك إضافة قيمة تؤمن بأنها ستحدث تغييرا إيجابيا ما، أما أن تستخدم جهدك ووقتك من أجل الإرضاء، وقد يتم الرفض وقد يتم القبول، فهنا المشكلة! لأن القبول سوف يدعم رؤيتك لذاتك، رؤية ليست أصلية لأنها ليست نابعة من ذاتك، والرفض قد يسبب لك الإحباط والتراجع، وإن أخذت الموضوع كتحدّ وعملت على إنجاز عمل أفضل، فإنك تظل تحت مظلة «الرضا والقبول»، وهذا يعني اختيارات الآخر ومعايير الآخر، وكل ذلك ليس أنت!

ما يجب أن تقوم به هو ما تريده أنت، وليس ما يريده الآخرون! إن الأمر لا يتعلق أبدا بإجبار حياتك على الامتثال لمعايير الآخرين! إن الأمر يتعلق باختيار طريقك وأهدافك والسماح لأشياء جميلة ورائعة وجديدة بأن تحدث وتستمع وأنت تراها تتكشف أمامك، أن تعيش حياتك ليس بحثا عن الكمال، فلا أحد يصل إليه، كل منا خلق ليكون فريدا، سوف يكون هناك دوما من هو أسرع، أذكى، أغنى، أقوى.. إلخ، وإن أردت التنافس فليكن مع ذاتك بالأمس، كن فريدا، ولا تكن أداة تعمل من أجل أن تُستخدم، وربما يُستغنى عنها متى ما شعر الآخر بذلك! قم على خلق الفرص، واتخذ القرارات التي تساعدك على النمو والتطور لخلق حياة ترضى عنها أنت، خلق فرص رائعة لها معنى لك أنت، أمور تهمك لأنها ملك لك! وإن كنت تريد التواصل الإيجابي مع الآخر فكن صادقا مع نفسك، وابدأ من الثقة بالذات، التي بالطبع لا تأتي من دون العمل على تنمية المهارات والقدرات والمعلومات وجمع الخبرات، فذلك بدوره سوف يمنحك الهدوء النفسي والارتياح، ويبعدك عن التشنج، وهنا سوف تصل إلى هدفك بكل سهولة، تاركا خلفك أي جهد أو إضاعة وقت في التودد لنيل الرضا وأنت لا تعلم إن كنت ستناله أم لا؟ لا تحتاج أن تتخلى عن قيمك لتُعجب، وبالتأكيد لا تحتاج أن تخفض رأسك لترتقي! لا تفقد الإيمان بذاتك ولو للحظة واحدة، فقد تفقد السيطرة على حياتك، كن الحاكم والمسيطر، في النهاية أنت من يتخذ القرار بما يجب القيام به أو الطريق الذي يجب اتباعه، وتذكر دائما أنك لست مجبرا على إثبات ذاتك لأي شخص آخر!

الاحترام والتقدير الحقيقي يأتيان من خلال قوة الشخصية والإيمان بالذات، والاعتزاز بالكرامة وعدم التعدي على حقوق الآخرين، وليس بفعل كل شيء وأي شيء من أجل اكتساب شعبية أو نيل الرضا! لا تدمن على التصفيق، فالمسرحية كما تبدأ تنتهي، وسوف يفرغ المسرح ويذهب الجمهور كلّ إلى حياته! ومن يسأل ويدقق حتى يتأكد من سير العمل بما أنك عضو في فريق فأجبه بكل شفافية، وأضف حيث تستطيع من أجل نجاح الجميع وليس نجاحك وحدك، ومن يشكك لمجرد أن يظهرك ضعيفا أو غير قادر فلا ترد، أدر ظهرك، فلست مجبرا على إرضاء غروره حتى ولو بالرد المُفحم! وتجاهل من يسأل للتدخل أو للاطمئنان على أنك فاشل أو لم تقم بأي تقدم، ولا تعطه أي إجابة شافية، دعه في حيرته ليغوص أكثر في نفسيته المريضة، فلست مسؤولا عن علاجه! ومن يسأل ليطمئن عليك ويدعم حين الحاجة فلا تبخل وشارك، ففرحته سوف تنعكس عليك، وتدفعك إلى فعل المزيد، أما إن صادف ووضعت في موقف الناصح أو القدوة فتقدم، وافتح مخزون الخبرة لديك، واسكب بسخاء، فالعطاء يثريك ويزودك بطاقات إيجابية، ومن يدري؟ فمن هذا العطاء سوف تتفتح أمامك نوافذ أفكار ورؤى جديدة تجدد من خلالها حيويتك، وتدفعك إلى المضي قدما في طريق الإبداع والتغيير.

في النهاية ليس من المهم أن تكون الأفضل، المهم أن تكون مفيدا وعضوا فاعلا في المجتمع، لم تُخلق لتكون نسخة أو امتدادا، فاجعل من تفردك قوة، اتخذ خطوة باتجاه خياراتك، وافتح النوافذ للحياة كي يتدفق شعاع سحرها إليك، ليس لديك ما تثبته لأحد، ولدت ذا قيمة، خلقت ذا قيمة، وليس لأحد الحق في أن يشعرك بغير ذلك!

 

 

الوطن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *