ثمرة التمكين والمسار «الغربي» المعاكس 11 شيئًا لا ترتضي المرأة السعودية فعلها

غادة فتحي

«مشاركة المرأة تمثل خطوة مهمة خطتها السعودية نحو عملية انتخابية أكثر شمولاً ستضمن تمثيل كل المواطنين في حكومة تكون مسؤولة أمام كل السعوديين»، هكذا علق جون كيربي الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية، وهو منطق يزن التحول، مقدرًا ما ينطوي عليه من توسيع لنطاق مشاركتها، مع الإشارة إلى يمكن أن يؤول إليه «معياريًا». وهذا التقييم لا يخلو من تمايزات ثقافية بين عالمين وحضارتين، تمايزات تجعل: الممكن والمقبول والمأمول غير متطابقين بين الحضارتين.

ليس جديدًا ولا مفاجئًا أن تكون قراءة شرائح من الرأي العام الغربي للانتخابات البلدية السعودية الأخيرة أقرب إلى «البكائيات» على ما لم يحدث – أو ما لا يحدث – وليس ما حدث!
وقد يرى البعض في الخطاب إعمالاً لـ«خذ وطالب»، وهذا أحد وجوه الخلل الكامنة خلف هذا الخطاب أن التغير ليس استجابة لمطالبات الخارج، وبالتالي فإن المزيد من الإلحاح على قائمة «النواقص» لن يكون قوة الدفع باتجاه المزيد تمكين المرأة السعودية، وهذا التمكين، لا يعني أبدًا أن تقترب من نموذج معدٍ سلفًا، هو بالضرورة النموذج الغربي.

الحقوق السياسية ونمط الحياة

مجلة «ذي ويك» اختارت التعليق على الانتخابات البلدية السعودية انطلاقًا مما اعتبرته «مسارًا معاكسًا» تعيش وفقًا لقانونه المرأة السعودية في حياتها اليومية. وربما، لم يكن ما نشرته المجلة ليستحق التوقف أمامه بالتعليق، لولا هذا الربط الذي قد يكون واضح الافتعال، بين محتواه وبين الانتخابات البلدية السعودية الأخيرة.

وما يشير إليه المنشور أولاً، أن التاريخ يسير في مسار خطي، وأن نموذجه الأعلى هو الغرب، وأن أمم الشرق ومجتمعاته تسير في المسار نفسه، حيث لا مكان لاختلافات ثقافية ولا دينية، ما يعني أن الشرق متأخر عن الغرب بقرون أو عقود أو سنوات، وسيكون مصيره الحتمي أن يلحق بالغرب في كل شيء. وهنا لا مكان لموقف إيجابي من أي تطور يحدث في أي مجتمع من مجتمعات الشرق.
وهذه النظرة التي لا تقيم وزنًا لأي تحول سياسي أو اجتماعي أو ثقافي أو سياسي لا قيمة له ما لم يؤد إلى اكتمال تحول اجتماعي أخلاقي شامل، يجعل المرأة الشرقية – وطبعًا المرأة السعودية – تعيش حياتها اليومية كالغربية تمامًا. وتطبيق قواعد هذا «النموذج الكامل» المثالي يؤدي أحيانًا إلى نتائج تبعث على السخرية المرة، ولعل أكثرها شهرة «إدانة» عمل المرأة في المنزل (أي في رعاية شؤون الأسرة وتربية الأبناء)، على أساس أن عمل المرأة الذي يمكن الاعتراف به كدليل على تمكينها هو العمل خارج المنزل وحسب.. والخلاصة أن الحقوق السياسية تظل منقوصة ما لم تؤد إلى تغيير نمط الحياة علة نحو محدد.

تغريب أم علمنة؟

من الأمور التي كانت تبدو مستقرة في الكتابات التي تتناول قضايا المرأة التعامل معها بوصفها عملية «تغريب»، وكان الوصف إلى حدٍ كبير صحيحًا وإن كان غير دقيق. والجديد أنه مع تطور وضع المرأة العربية بشكل ملحوظ خلال العقود القليلة الماضية على نحو جعلها لا تصلح «مادة خام» تصلح لرسم صورة نمطية لامرأة مقهورة ومحرومة تمام الحرمان من الحقوق كافة، بدأ التركيز ينتقل من الحديث عن حقوق أساسية كالتعليم والعمل والمشاركة السياسية، إلى الحديث عن «ثمرة التمكين»، بمعنى الحديث عن حزمة من المؤشرات (بعضها مرده الدين، وبعضه مرده التقاليد، وبعضها مرده الثقافة) يشكل غيابها دليلاً على أن المرأة ما تزال مقهورة. ويمكن التعبير عن الفكرة على النحو التالي:
* المرأة يجب أن تحصل على حقوق وحريات معينة (بعضها مشترك عام إنساني وبعضها ليس كذلك).
* المجتمع يجب أن يفكر في حقوق المرأة وحرياتها من منظور «قداسة الحقوق الفردية». (والمجتمعات كافة لديها تصورات خاصة للتوازن بين الجماعية والفردية «حقوق الفرد وحقوق المجتمع» والتفاوت أو التباين في هذه التصورات لا يجعل أيًا منها مستحقة أن توصف بالقمعية حتى لو اختلفت عن النموذج الغربي).
* المرأة نفسها «يجب» أن تستخدم هذه الحقوق في اتجاه محدد سلفًا (الفردية – اللذة – حرية الجسد –…).
وأولى الملاحظات على هذا الخطاب ملاحظة لغوية ذات خلفيات معرفية، فالمستهدف هو «تمكين المرأة» وليس «تحرير المرأة»، فاستخدام لفظ تحرير يعني الإقرار بعبوديتها. الملاحظة الثانية أن الدعوة تحولت من فكرة اجتماعية (أو حقوقية) إلى آيديولوجيا مغلقة ومن هنا ظهر مصطلح: «النسوية» أي «التمركز حول الأنثى» وهي آيديولوجيا تنطوي على معاداة للرجل وللمجتمع.
الملاحظة الثانية أن هذا المنطق مخادع إلى أقصى درجة، فالتمكين الحقيقي للمرأة يفتح الباب لتعدد الاختيارات والأنماط في السلوك والانحيازات الاجتماعية، لكن قياس وضع المرأة – السعودية مثلاً – على مدى قدرتها على التصرف في جسدها وفقًا للرؤية المعيارية الغربية، هو في الحقيقة «تنميط» يسلبها حقها الأصيل في أن تختار لأسباب شخصية أو دينية أو أخلاقية أن تتصرف بمحض اختيارها بشكلٍ مغاير.
ونحن بالتالي أمام عملية علمنة وليس عملية تغريب، فالغرب يضم قطاعات اجتماعية واسعة تتصرف – اختيارًا – وفقًا لمنطق محافظ يجعل محرمات هذه القطاعات شبيهة بالمحرمات الدينية والاجتماعية التي اعتبرتها مجلة «ذي ويك» مؤشرات على أن المرأة السعودية مقهورة.

مؤشرات الحرمان

من «مؤشرات الحرمان» وفقًا للمجلة منعها من الذهاب إلى أي مكان دون محرم، وهو أمر له أصل فقهي قد يكون شكل تطبيقه الفعلي مقرونًا بتشدد يزيد أو يقل بحسب المستوى الاجتماعي وطبيعة المكان وعوامل أخرى ليس بينها دور رسمي للدولة في فرض استمراره، بل إن كثيرًا من التحولات الإيجابية، خلال نصف القرن الماضي، في دول عربية كثيرة بينها المملكة العربية السعودية كان ثمرة جهود حكومية لتمكين المرأة بأكثر مما كانت ثمرة مطالبات اجتماعية.
وهذا القيد الذي يستند إلى أصل شرعي يستمد رسوخه في المجتمع السعودي من رؤية لموضوع جسد المرأة مغايرة تمامًا للرؤية الغربية وهو تمايز لا يجوز أن يكون سببا في وصم المجتمع السعودي أبدًا، فثقافة الستر والعفة تنطلق من تقدير كبير للمرأة يأخذ شكل المبالغة في الحماية والستر.

أما حق المرأة في قيادة السيارة فأصبح أحد أكثر المداخل شهرة لوصم المجتمع السعودي – بجرة قلم – بكل نقيصة، ولا جدوى في الحقيقة من خوض معركة حول هذا المنع المثير للجدل فهو – وإن أصدر البعض بشأنه فتاوى تحريم – فإنه يظل من فتاوى «سد الذرائع» والتوسع فيه مثار انتقادات عند كثير من الفقهاء، ويبقى القرار فيه مرهونًا بتغيرات اجتماعية، لا بقرار سياسي ولا بحكم شرعي.
من المؤشرات التي اعتبرت المجلة أنها دليل حرمان المرأة السعودية عجزها عن ارتداء ملابس أو استخدام مستحضرات تجميل تظهر مفاتنها، والإحجام عن إظهار المفاتن موقف اجتماعي له أنصاره في كثير من المجتمعات في العالم، وبالتالي فإن «الخلافي» لا يجوز أن يكون معيارًا. ولعل المجلة لو التزمت الموضوعية المهنية لأشارت إلى أن اليمين المحافظ الديني في غرب الأطلسي لديه القناعات نفسها. ومن الناحية القانونية منعت إدارات جامعات غربية – صحيح أنها قليلة العدد – على طالباتها ارتداء الملابس المثيرة، وفي أبريل (نيسان) 2013 قررت كوريا الجنوبية «تجريم» التنانير القصيرة تجريمًا قانونيًا.

ويمكن النظر بالمنطق نفسه إلى حرمان المرأة السعودية من «الذهاب إلى حمام السباحة»، وهو من أكثر المؤشرات غرابة، فتعرية المرأة جسدها في حمام السباحة لا هو فطري ولا مسلك إيجابي حتى في الشرائح ذات التقاليد المحافظة في بعض المجتمعات الغربية نفسها. ويضاف إلى ذلك أيضًا، قياس الملابس عند الشراء، فكثير من القيم الأخلاقية يتم غرسها في الصغار بقاعدة بسيطة شاملة لا تعرف الاستثناءات، وكثير من الأسر العربية تربي بناتها على أن الأنثى لا يجوز أن تخلع ملابسها خارج بيتها أبدًا، وجميع هذه المآخذ تدور حول عنوان عريض هو: «ثقافة الجسد».
أما الاختلاط بالرجال فمفهوم مطاط، ومن البدهي أن ما يدخل في إطار حق الدولة في التنظيم لا يجوز أن يكون «نقيصة»، شريطة ألا يصل التنظيم إلى المنع، والمرأة السعودية ابنة مجتمع «محافظ» قيمه لها نظائرها في التاريخ الغربي وفي الواقع الغربي أيضًا، و«المسافة» بين الرجل والمرأة تجعل الطرفين أقل توترًا وأكثر سكينة واسترخاءً، بل إن دراسات معاصرة كثيرة أكدت أن طلاب وطالبات بعض مؤسسات التعليم المختلطة يكونون تحت ضغط اعتبارات مصدرها اختلاط الجنسين تؤثر سلبيًا على تحصيلهم العلمي، وهو مجرد نموذج لوجهة نظر أخرى في شكل تنظيمي له جذور اجتماعية وأخلاقية ودينية.
وعليه فالتمكين غير التحرير، والعلمنة غير التغريب، والمؤشرات مخادعة!

 

*

الأمين العام للصندوق الاجتماعي للتنمية التابع لمجلس الوزراء المصري منذ أكتوبر 2011

 

 

المصدر: موقع المجلة