أزمة مثقفات (4)/ المثقفة حاملة رسالة النهضة

إلهام الحدابي 

 

حتى تتحقق النهضة في مجتمع من المجتمعات ينبغي أن تمر بعدة مراحل، تشترك فيها كل الأطراف بشكل فاعل حتى تتحقق، توجد أطروحات وكتب كثير ناقشت هذا الموضوع الذي ابتعد تماماً عن نقاشاتنا كونه أصبح شبيهاً بالأمنية وليس بالحلم كونه أصبع صعب المنال، نناقشه في هذه السطور من زاوية صغيرة لكنها مهمة، إذا أخذت هذه الزاوية حقها من الاهتمام والمتابعة ستخلق أثراً كبيراً في مشروع الوصول إلى النهضة.

هذه الزاوية هي دور المثقفة في مشروع النهضة، وكما أشرنا لا تتحقق النهضة إلا بتحقق الكثير من التغيرات والتقدم في المجال الاجتماعي والعلمي والسياسي والاقتصادي والثقافي، ذلك التقدم والتغيير يرتبط بدور الفرد من جهة وبدور المجتمع من جهة أخرى، سنتحدث عن دور الفرد حتى نسلط الضوء أكثر على دور المثقفة في المشاركة في تحقيق تلك النهضة .

السلوك الحضاري

حتى تتحقق النهضة يجب أن يحدث تغير حقيقي على مستويين مادي يتضمن أشكال التقدم المعرفي والصناعي، وجانب غير مادي يرتبط بنمو الجانب الأخلاقي والسلوك الحضاري للفرد والجماعة داخل المجتمع، ودور المثقفة هو أن تركز جهودها على مستويين شخصي وتأثيري، المستوى الشخصي يأتي بتبني سلوكيات حضارية يجب أن يكتسبها أي مثقف من خلال مسيرته المعرفية والثقافية، ولا يتحقق نجاح تلك المسيرة الفكرية إلا عندما تتحول إلى سلوك نطبقه على أرض الواقع، بينما يرتبط الجانب التأثيري بنشر المثقفة لذلك السلوك الذي تبنته إلى مشروع أخلاقي يضم الكثير من الأفراد الأخرين، وعن طريق هذه الحلقة التأثيرية ينتج التغيير، كون السلوك الحضاري ينتشر أكثر من خلال الممارسة والمحاكاة أكثر من جانب التنظير.

السلوك الحضاري وسيلة ناجعة لخلق المجتمع القابل للرقي في مختلف المجالات، بحيث تصبح النهضة أقرب للتطبيق والاستمرار بسبب وجود المجتمع الواعي المؤهل فعلياً لحمل رسالة النهضة، يعتقد البعض أن النهضة ترتبط بالتطور التقني، هذا صحيح إذا قسنا ذلك بمقياس فلسفة الحضارة المادية المسيطرة على العالم حالياً، لكنها فعلياً بعيدة كل البعد عن التعريف المتوازن للحضارة ذلك التعريف الذي يشكل الجانب المادي والروحي في نفس الوقت، لذا عادة ما تفشل تلك المجتمعات التي تستورد نهضتها من الخارج، فالنهضة فعل وتمكين يرتبط بظروف وواقع المجتمع نفسه، بمعنى أن كل مجتمع يخلق نهضته بنفسه عن كريق التفاعل الإيجابي والبناء مع ظروفه وإمكانياته وتحدياته.

المساهمة في التنمية

التنمية تأخذ تعريفات كثيرة، تتنوع وتتمايز بالمجال الذي ترتبط به، لكنها عادة ما تتفق في هدفها في تحويل المشاكل إلى تحديات، والتحديات إلى فرص، والفرص إلى وسائل في تغيير المجتمع نحو الأفضل.

يمكن للمثقفة أن تشارك في مسيرة التنمية تلك من مجالها، فالمثقفة ليس بالضرورة أن تكون امرأة تعمل في مجال المكتبة، أو معلمة، أو فيلسوفة، بل ربما تكون محامية أو مهندسة أو طبيبة، أو حتى امرأة لم تتمكن إلا من إنهاء صفوفها الابتدائية بسبب ظروف ما، لكن تلك المرأة اهتمت بتغذية عقلها بشكل أساسي عن طريق المطالعة والاستفادة من خبرات الحياة، كما أنها خلقت لدى نفسها الرغبة في مشاركة المجتمع همومه ولم تحصر نفسها في قوقعة مشاكلها الشخصية فقط.

لذا أمام هذا النموذج الذي نطمح لأن يكون موجود بكثرة في مجتمعاتنا لن يكون من العسير أن نجد حلولاً منطقية لمختلف المشاكل التي تواجه المجتمع، ليس تلك المشاكل المتعلقة بالمراة وحسب، بل حتى تلك المشاكل الكبيرة التي تتعلق بسياسات الدول وتسبب حروباً في بعض الظروف، تنطلق المرأة المثقفة في مشاركتها في مسيرة التنمية بإيمانها بأهمية دورها أولاً، ثم بقدرتها على خلق التغيير كونها جزء لا يتجزأ من المجتمع، إضافة إلى أنها هي الوحيدة أحياناً من تكون قادرة على حل تبني بعض الحلول تجاه المجتمع.

المبادرة وتبني المشروع

في المجتمعات الاستهلاكية تكثر العادات الاتكالية التي تجعل من الناس نسخاً متطابقة في التعامل مع مختلف الأمور، لا أتحدث هنا عن دول الوطن العربي وحسب، بل أتحدث عن تيار سلوكي عالمي يتاثر بالواقع الذي فرضته الثفافة الاستهلاكية التي تسيطر على سوق المال العالمي، نحن بحاجة إلى أفراد قادرين على النظر إلى قدراتهم الفردية التي هي جزء من فطرتهم بعيداً عن النظرة العامة التي تنمط الجميع بنفس القدرات والاحتياجات، نحتاج إلى مجموعة من النساء المثقفات والواعيات القادرات على أن يشكلن رافداً حضاراياً في الجانب المعرفي والاقتصادي والتعليمي، تلك الفئة التي لا تسعى وراء الألقاب والجوائز عبر احتكارها للقدرة والمعرفة، بل تسعى بشكل اساسي إلى نشر تلك المعرفة التي تجعل من كل أفراد المجتمع مثقفين معرفياً وسلوكياً، لأنه إذا توفر لنا مشروع الإنسان الذي يحمل فكرة ستتلاشى كثير من المشاكل التي يعاني منها المجتمعات اليوم.

ما يميز المثقفة عن غيرها من النساء هو أنها صاحبة روح مبادرة، ورؤية بناءة تسعى لأن تخلق مشاريع مختلفة ذات تأثير حقيقي وواضح في المجتمع، لأنها تؤمن أن المجتمع الذي تغيب فيه المشاريع الفردية والمجتمعية ليس مجتمع متزن، بينما تتقدم تلك المجتمعات التي تنشيء أجيالاً وافراداً مؤمنين بقدراتهم المتنوعة من جهة، وبمبادراتهم الفردية والجماعية التي تجعل من الوصول للنهضة مجرد خطوة في سلم وليس حلم صعب المنال.

أصبحت النهضة في واقعنا أقرب للخيال أو العناوين الاستهلاكية، ذلك أننا نتعامل معها بشكل خاطئ، فنحن نقرأ كتباً كثيرة حولها، وقد نثير نقاشات جادة حولها، لكن عادة تلك الجهود تتوقف في مستواها الأول، أي المستوى المعرفي، ولا يتحقق أي تغيير إلا عندما تنتقل الجهود إلى الخطوة الثانية بأن تتحول إلى سلوك فردي واجتماعي، وفي تلك اللحظة فقط تتحقق شروط النهضة .

يكمن دور المثقفة في أن تستوعب تلك الخطوات والمراحل، وتسعى بشكل جاد إلى تطبيقها عبر تبني هدف محدد، ومشروع جاد يخلق أثراً حقيقياً على أرض الواقع.