أزمة مثقفات (2)  / المثقفة ودورها تجاه المجتمع

إلهام الحدابي

لا يعيش المثقف أو المثقفة في واقع من الفراغ، بل هناك أفراد وجماعات يتأثرون به ويتأثر بهم، التأثير ينتج عن بيئة الحياة والثقافة المشتركة، والتحديات القائمة في هذا المجتمع أو ذاك، غير أنه يفترض بأن تكون نظرة المثقف مختلفة كلية عن النظرة العابرة، ذلك أن نظرته ستكون أعمق بقدر فهمه لواقـعه وتحمله لمسؤليته تجاهه، تلك المسؤولية ترتبط بشكل أساسي بجانبين مهمين، الأول: جانب النقد، والأخر جانب تقديم الحلول.

في جانب النقد ينبغي على المثقفة أن تتلمس مشاكل مجتمعها في مختلف الجوانب، ثم عليها أن تدعم نظرتها الناقدة بالكم الكافي من المعلومات والمعرفة حول أسبابها من مختلف الجوانب، بحيث تكون نظرتها الناقدة موضوعية ومكتملة، لكن في نفس الوقت ينبغي على أي مثقفة أو أي امرأة تطمح أن تكون مثقفة بشكل حقيقي أن لا تقف نظراتها الناقدة عند مستوى النقد، بل يجب عليها أن تتعدى ذلك الدور إلى الدور الأهم الذي يرتبط بتقديم الحلول المناسبة لتلك المشاكل التي لحظتها أثناء تتبعها لاحتياجات المجتمع.

 

وحتى يكون دور المثقفة واعياً ومكتملاَ تجاه المجتمع ينبغي أن تنطلق في رؤيتها لذلك الدور على ثلاثة محاور.

المحور الأول: يرتبط بدورها العام تجاه المجتمع،

المحور الثاني: يرتبط بدورها الجزئي الذي يرتبط بمجتمعها الخاص المرتبط بتخصصها الدراسي، أو المهني.

المحور الثالث:  فيرتبط بالمثقفة بشكل شخصي.

 

أولاً الدور العام: المثقف هو عين المجتمع التي توجهه صوب الطريق الصحيح، والمنفعة العامة، لذا على المثقفة أن تركز على أهمية دورها في هذا الجانب من خلال تفعيل نظرتها الخاصة للأمور، والسعي الجاد للدراسة المشاكل الصغيرة التي يواجهها المجتمع قبل أن تتحول إلى ظواهر يصعب التعامل معها، لكن أثناء تقديمها لتلك الرؤية النقدية تجاه أي مشكلة صغيرة أو كبيرة ينبغي عليها أن تطبق بعض الشروط حتى تكون تلك النظرة مقبولة أكثر وذات تاثير أكبر، ومن أهم شروط النظرة النقدية:

  • الموضوعية، بحيث تتضمن شرح لمختلف الأراء الموافقة والمخالفة لتلك القضية وتقديم مقترحات الحلول من أكثر من طرف ، هذا يساعد المثقفة نفسها في التعامل مع تلك القضايا بشكل متوازن أثناء مناقشتها لها، وسعيها لإيجاد حلول مناسبة.
  • الوضوح: يوجد إشكالية كبيرة نواجهها حالياً في جانب دور المثقفة، صحيح أنه لا يوجد عدد كبير من المثقفات اللائي يحملن مسؤولية المجتمع، لكن بالمقابل يوجد عدد من المثقفات المسؤولات اللائي يستخدمن لغة خطاب عالية المستوى لا تصل عادة إلى الشرائح المستهدفة، ومن هنا ينبغي أن نركز على ضرورة أن تكون لغة الخطاب مناسبة لفهم الفئات المستهدفة بمختلف مستوياتها الثقافية حتى يتحقق الهدف من تلك النظرة الناقدة.
  • تقبل الرأي والرأي الآخر: لا يمكن أن يكتمل الجهد البشري مهما كان كبيراً، فعادة ما يتسم بالقصور، ومن هنا ينبغي أن تتعود أي مثقفة تقبل النقد البناء أياً كان، وإن كان مخالفاً لرأيها ينبغي أن تتقبله وتبحث فيه فلربما تضمن الحل الناجع، والفكرة السديدة التي غفلت عنها لأسباب القصور البشري، وبتلك الخطوة يصبح دورها أكثر فاعلية في المجتمع.
  • تقديم الحلول: كثير من المثقفات والمثقفين يتوقف دورهم عند مستوى النقد، بحيث يتحولو إلى أبواق لا تجيد سوى التذمر، لكن المثقف والمثقفة الحقيقية لا يقف دورهم أبداً عند ذلك الدور رغم أهميته، بل يجب أن يتجاوزوه بأن يقدموا حلول، ليس بالضرورة أن تكون تلك الحلول حلولاً قطعية، بل هي أشبه بمقترحات قابلة للتطوير والبناء بما يفيد المجتمع.

 

ثانياً الدور الجزئي: يرتبط بشكل أساسي بالمجتمع الخاص بالمثقفة وهو مجتمع التخصص الدراسي، أو المهنة، أو مجال الاهتمام، وتكمن أهمية هذا الدور ، أن النظرة الناقدة هنا سيكون تأثيرها أكبر ، ليس لأنها تعتمد على معلومات تخصصية وحسب، بل لأنها ستكون مركزة بشكل أكبر على الفئة المستهدفة، وينبغي أن تتضمن النظرة الناقدة هنا جميع الشروط التي ذكرنها سابقاً من موضوعية ، ووضوح، وتقبل للرأي الآخر.

الدور الشخصي:وهذا الدور يرتبط بشكل أساسي بدور المثقفة تجاه نفسها، بحيث لا ينبغي على المثقف الجيد أن يقف في مستوى معرفي وثقافي واحد، بل ينبغي عليه أن يطور من مهاراته المعرفية، وبحولها إلى مهارات سلوكية، فالثاقفة قبل أن تكون مجرد معرفة هي سلوك يترجم تلك المعرفة على ارض الواقع.

 

ثالثاً الدور الشخصي : المجتمع الذي لا يتضمن عيوناً ناقدة هو مجتمع أعمى، لا يتحرك في سلم الحضارة، بينما ذلك المجتمع المبصر هو المجتمع الذي يتحرك إلى الأمام دائماً بسبب يقظة ووعي تلك العيون المثقفة التي لا تتوقف عن حركتها الدؤوبة في الإصلاح والتغيير وخدمة المجتمع.

 

قضايا المرأة والمثقفة

ربما لن يكون من المبالغ إذا قلنا أن أكثر قضية شغلت الرأي العام على مستوى عالمي خلال القرنين العشرين والواحد والعشرين هي قضايا المرأة، بحيث أخذت بعض القضايا اهتماماً أكبر من حجمها، بينما أهلمت وغُيِبَت قضايا أخرى هي أولى بالاهتمام والبحث عن حلول لها، والسبب الرئيسي في ذلك هو غياب الأصوات الموضوعية في مجال قضايا المرأة، ليس في جانب حقوقها فقط، وإنما في واجباتها ايضاً.

أكبر سبب يعمل على تغييب الاصوات الموضوعية هو وجود أزمة المثقفات التي نتحدث عنها، فالعالم اليوم يتحدث عن الأزمة الإقتصادية، والأزمة الاخلاقية، والأزمة الإنسانية، لكن لا أحد يتحدث عن أزمة المثقفات، تلك الأزمة التي تخلق مئات المشاكل في المجتمع، وحل تلك المشاكل باختصار يكمن في بناء الوعي الموضوعي والناقد لدى المرء، بحيث يتفاعل مع واقعه بشكل إيجابي ويخلق تاثيره الفاعل في مختلف المجالات، ونحن هنا نركز على ضرورة بناء ذلك الوعي النقدي لدى المرأة، ذلك الوعي كفيل بأن يخلق لنا مثقفات لنجد حلاً لمشكلة أزمة المثقفات التي لا يتحدث عنها أحد.