أزمة مثقفات / الشكل والمضمون (1)

إلهام الحدابي

من الذي صنع من المثقفة مجرد شكل أو لقب لا يغني في تغير الواقع شيء؟

ولماذا لا نجد أي تأثير حقيقي للمثقفات اللائي يتزايد عددهن دون أي أثر على أرض الواقع ؟

 

يرتبط مفهوم المثقفة في الذهنية المجتمعية بمفهوم سطحي، يرتبط بالشكل أكثر من المضمون، فالمثقفة وفق الفهم العام هي التي تقرأ الكثير من الكتب، أو تستخدم العديد من المصطلحات الغريبة أثناء حديثها، توسع مفهوم المثقفة بحيث صار يشمل مظاهر أخرى ارتبطت بالتغيرات التي حدثت في أوطاننا العربية، فقد صارت المثقفة هي التي تبحث عن الحقوق، أو تلك التي تظهر كثيراً في شاشات التلفاز أو واجهات الصحف.

الكثير من الأسئلة تدور في خلد كل من يتابع واقع المثقفات في الوطن العربي، لكن يتبادر إلى الذهن ملاحظات كثيرة تبرر ذلك الواقع، أو على الأقل تعطينا مؤشرات لنفهمه، بالبنسبة للعدد المتزايد من المثقفات اللائي لا يخلقن تاثير على أرض الواقع ، يمكننا أن نفسر أن ذلك العدد الكثير ليس كبيراً إذا ما قورن بنسبة الأمية المتفشية في كثير من الدول العربية ذات الكثافة السكانية، بينما في الدول الصغيرة التي تحصل النساء فيها على فرص عالية لإكمال التعليم، ولتكوين الثقافة لا يوجد لهن تأثير كبير على واقعهن بسبب الظروف التي تحيط بهن من جهة، ومن جهة أخرى تلعب طريقة فهمنا للواقع دوراً كبيراً في خلق ردة الفعل المناسبة تجاه ذلك الواقع.

يوجد مثقفات تَمَكّن من التعامل مع واقعهن بشكل إيجابي، منهن من قررت أن تسخر قلمها لخدمة قضايا المرأة وقضايا مجتمعها، وآخر تمكن من فهم حقيقة الثقافة التي ترتبط بالسلوك قبل أن ترتبط بحجم المعرفة، وهنا نريد أن ننبه إلى نقطة مهمة تغيب عادة عن أذهاننا وهي أهمية السلوك المتحصل من المعرفة، فكمية المعرفة لا تقاس إلى بحجم تأثيرها على سلوكياتنا، ولأننا لانفهم هذه الحقيقية المهمة نغرق في تفاصيل البناء المعرفي ونفشل في بناء السلوك الإيجابي الذي ينقل المعرفة إلى أرض الواقع، ويغير الواقع بشكل إيجابي.

 

على قدر أهمية البناء المعرفي المتحصل من كمية الكتب والخبرات التي نحصل عليها من تجاربنا في الحياة، يأتي السلوك المتحصل من تلك المعرفة على نفس القدر من الأهمية، ومن هنا يجب أن نسعى إلى سد تلك الفجوة المتحصلة بسبب غياب المثقفات، وذلك عن طريق خطوتين، الأولى: ترتبط بجانب شخصي يجب أن تتبناه كل امرأة تطمح أن تكون مثقفة بصدق، بحيث تضع لنفسها معايير سلوكية تعبر من خلالها استفادتها من كمية الكتب والمعارف التي اطلعت عليها، الخطوة الثانية : ترتبط بجانب جماعي، لا يمكن أن يتحقق إلى من خلال بناء شراكات على مستوى فردي وجماعي في محاربة الأمية بشكل أساسي، ونشر ثقافة القراءة على أكبر مستوى، ثم إشاعة السلوك الثقافي الذي من خلاله تتغير المجتمعات بشكل أفضل.

 

 

الطريق للمثقف الحقيقي

 

يعتقد كثير من الناس أن الشخص المثقف هو الشخص الذي يقرأ أكبر عدد ممكن من الكتب، أو هو ذلك الشخص الذي يقرأ الكتب الصعبة الفهم كالكتب الفلسفية والفكرية، وبعضهم يعتقد أن المثقف هو ذلك الشخص الذي يعرف الكثير من المعلومات حول مختلف الأشياء، ربما ستكون تلك التعريفات صحيحة إذا قسناها بالنظرة السطحية التي اعتدنا استخدامها في نظرتنا للأشياء من حولنا، لكن مثل تلك النظرة لا تخلق لنا مثقف حقيقي يحمل مسؤولية الكلمة والمعلومة تجاه واقعه.

المعرفة للمعرفة ليست هدفاً قيماً، ما يصنع للأشياء قيمتها هي الأهداف التي يسعى الشخص لتحقيقها، ومن هنا عندما تطلب المثقفة المعلومة أو المعرفة فقط لتزيد من رصيدها المعرفي دون هدف واضح ومحدد، لا يكون هناك قيمة كبيرة لتلك المعلومات، إذ أنها ستتخزن في العقل دون فائدة كبيرة، على العكس إن كان هناك هدف محدد من بناء تلك المعرفة، وتحصيل تلك المعلومة ستكون الفائدة هنا متحققة وكبيرة، لكن هل ثمة طريقة للبناء المعرفي الذي يجعل من المثقفة مثقفة حقيقية ؟

نعم يوجد هناك طرق كثيرة، منها تلك الطريقة التي من خلالها نقسم مرحلة البناء المعرفي إلى مرحلتين، مرحلة أولى وفيها يتوجب على المثقفة أن تركز على المعرفة العامة بمختلف الأحداث والمواضيع المرتبطة بعالمها، أو ما يسميه البعض بالثقافة العامة، بحيث تستند على تلك المعلومات العامة في تحليلها ونقدها لكثير من المواقف والأحداث التي تواجهها في حياتها، لكن لا ينبغي عليها ان تقف طويلاً عند المستوى العام للبناء المعرفي، بل يجب أن تتخصص، والتخصص المعرفي هنا قد يرتبط بالتخصص الدراسي، وقد يرتبط بمجال هواية أو موهبة أو اهتمام المثقف، بمعنى أن في هذه المرحلة ينبغي أن تكون المعلومات المتحصلة أكثر دقة وموضوعية، بحيث يتم الاعتماد عليها بشكل دقيق في تحليل الأمور المرتبطة بدور المثقف في مجاله التخصصي تجاه واقعه.

 

خطوات البناء المعرفي:

 

كما تبنى المنازل بتأسيس قاعدة قوية، وباستخدام طوب جيد ومواد بناء موزونة، كذلك يتم في البناء المعرفي، فالقاعدة الأساسية التي نعتمد عليها في البناء المعرفي هي : القراءة، والقراءة هنا في مرحلتها الأولى تكون مرتبطة بالرغبة في الإطلاع، أو بالهواية، لكن على المثقفة ان تحولها إلى أداة للتحصيل المعرفي العام والمتخصص الذي تطمح أن تصل إليه لتزيد من نسبة وعيها في مختلف القضايا.

أول الخطوات البحث: في هذه المرحلة ينبغي على المثقفة أن تدخل مستوى أعمق من الإطلاع، وترتبط عادة هذه المرحلة بالمجال التخصصي، ليس بالضرورة أن يتقيد البحث بالشروط الأكاديمية، لكن على الأقل ينبغي أن يتضمن الشروط الموضوعية، ومن خلال نافذة البحث عن مختلف المعلومات تستطيع المثقفة أن تصل إلى مرحلة متقدمة من القدرة على الفهم والربط بين المعلومات والتحليل، وهذا يزيد من قدرتها ومسؤوليتها النقدية تجاه واقعها والمجتمع.

ثاني الخطوات متابعة المستجدات: لا ينبغي على المثقفة أن تحصر نفسها في مجال دون آخر، حتى وإن قررت أن تطرق نافذة التخصص، ينبغي عليها أن تترك لنفسها مجالاً تتطلع فيه على مجريات الأمور في العالم عن طريق متابعة الأخبار، أوالفعاليات، وكلما اقتربت المثقفة من الواقع كلما زادت قدرتها من الاستفادة على كم المعلومات المتحصلة من الخطوات السابقة.

 

بين الوعي والأثر

 

لكن ثمة خطأ كبير قد تقع فيه أي مثقفة، أو أي امرأة تطمح أن تكون مثقفة، هذا الخطأ يرتبط بالتركيز على جانب الأخذ دون العطاء، بينما في حقيقة الأمر يوجد قاعدة أصيلة في هذا الجانب، وهي أن العلاقة بين الأخذ والعطاء هي علاقة طردية فبقدر ما تعطي تستطيع أن تأخذ، وبقدر ما تمنع لا تتمكن من أخذ أي شيء، هذه القاعدة تنطبق على عالم المعلومة أيضاً، فالمثقفة التي تكتفي بالتحصيل العلمي والألقاب الأكاديمية فعلياً لا تكون مثقفة وإنما شبه مثقفة، المثقفة الحقيقية هي تلك المطلعة على واقعها، القادرة على الربط بين قدراتها المعرفية واحتياجات الواقع، بحيث تعمل على خلق أثر إيجابي في مجتمعها باستخدام تلك المعرفة.

 

لتضع كل مثقفة أمام عينها ضرورة فهم هذه القاعدة، بحيث لا تقف في مستوى معرفي دون آخر، لأن عملية التعليم والبناء المعرفي عملية مستمرة ومتطورة وتحتاج لكثير من الجهد والمثابرة، في المقابل لا ينبغي أن ترتبط رحلة الجهد تلك بالتركيز على جانب التحصيل والأخذ فقط، بل يجب أن ترتبط بشكل أساسي بجانب العطاء وخلق الأثر الحقيقي للمعرفة على أرض الواقع، وبهذا تكون تلك المعرفة قد بنت مثقفاً بشكل حقيقي.