لماذا تعد نظرتنا للابتلاء سلبية؟

هاجر معزوز

 

ربما يجب أن تتغير نظرتنا للابتلاء لتطيب الحياة، لنرقى بأنفسنا ولنحقق أجمل معاني حسن الظن بالله. غالبا ما نقرن معنى الابتلاء بحدوث المكروه، مع أن الابتلاء يمكن أن يحدث بالاغتناء، بالنجاح، بالذرية، بالاستقرار أو بأمور أخرى المتعارف عليه أنها إيجابية بامتياز وأنها أساس تحقيق السعادة. وقد جاء في معنى الابتلاء أو البلاء أنه اختبار ويكون بالخير والشر، ومن معانيه أيضا الإنعام والإحسان وجاء في معنى ثالث بمعنى الإظهار والتبيان ولا عجب في ذلك فهو فعلا يظهر ما لم يعهده صاحب البلاء من نفسه أو سابق عهد لفعله.

فما بال نظرتنا للابتلاء بهذه السلبية؟ ربما ذلك يرجع لتصورنا الخاطئ من أصله لحقيقة الحياة الدنيا التي نبذل منّا فيها وكأنها دار الخلود فنسعى للنهل من متاعها الذي لا ينضب ومن ملذاتها التي تفنى بفناء الأجساد ومن بريقها الذي يصور لنا أن هناك دائما نورا في الأفق، فلا نفتأ نركض نحوه وما إن ننال منه حظنا حتى يتراءى لنا بريق آخر في الأفق من جديد، وقد يحدث ألا ننعم بما حظينا به فنتركه ونركض من جديد نحو منبع بريق آخر غير ضامنين الوصول.

ذلك ما يعرف أيضا حاليا برحلة البحث عن السعادة، ما يجعل الإنسان في تطلع دائم إلى تحقيقها في الدنيا بأي طريقة وينسى أن الوحي تكلم عن الحياة الطيبة وليس عن الحياة السعيدة. وربما كان ذلك أسلم لتحقيق التوازن النفسي للإنسان فخير له ان يؤمن ويسعى لحياة طيبة يكون مدركا أنها مد وجزر بين الاستقرار والتيه، بين الغنى والفقر، بين الحب والجفاء، بين الرضا والتذمر، بين الضعف والقوة، بين متناقضات كثيرة، يسعى وهو غاد ورائح بينها أن يرتقي فهما لحقيقة الدنيا وإدراكا لمبتغى وجوده فيها، فيكون بذلك بين سعي ورضا، يجعله ينظر إلى العطايا بعين الشاكر الممتن الحامد وإلى البلايا بعين الصابر المحتسب فلا يزال على هذا الحال يبني بناء متماسكا لمكلة الرضا التي لا تنال من جلسة وعظ او نصيحة حكيم فقط.

يروى أن إنسانا كان يطوف حول الكعبة ويقول: يا رب، هل أنت راض عني؟ فكان وراءه الإمام الشافعي فقال: يا هذا، هل أنت راض عن الله حتى يرضى عنك؟ قال: يا سبحان الله! كيف أرضى عنه وأنا أتمنى رضاه؟ قال: إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة، فقد رضيت عن الله.

نرى المرض ألما وعذابا وهو تطهير للإنسان ورفع لدراجته وتذكرة له، ونرى منع الذرية وحشة وهو فرصة للزوجين للارتقاء في سماء الرضا معا، ونرى عقوق الأبناء سخطا وهو تذكير للوالدين بأن المعطي هو نفسه المانع وأن التعلق بالأبناء له حدود لا يجب أن تتجاوز مكانة المولى في القلوب، ونصنف الحرب والتهجير لا مساواة بين البشر وهي درس للعالم كله أن نواميس الكون وماضيها وحاضرها بيد الواحد القهار وأن التغيير هو مسؤولية على عاتق البشر وليكفوا عن انتظار المعجزات. ثم نظن الرسوب والفشل نقطة نهاية وربما كان أجل البدايات، ونتوهم فقدان الحبيب كسرا وهو جبر لجوانب أخرى اكتشفناها للتو في أرواحنا، ونتحسر على ضياع الأشياء وامتلاكها وبقاؤها غفلة وتشتيت انتباه، ونتأمل الثروة نعمة ورغدا وقد ضل صاحبها الطريق وانشغل بها عما يكون به صلاح حاله وحال من حوله، ونكره الموت وهو حقيقتنا الخالدة التي تعلمنا كيف يكون العيش.

“وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) “البقرة. كذلك هو ضعف حيلتنا متجسدا في عدم رؤية ما وراء الحجب وكل الحكاية حول ذلك، فلو اطلعنا لما كان للحياة معنى، نحن فيها سائرون نكتشف كل يوم حكم النوازل، نعتبر ثم ننسى، ثم تأتي حوادث أخرى لا نحيط بحكمتها إلا بعد حين، ثم نتعظ وننسى والكيِّسُ من اتعظ ووعى وعمل وأحيا الدرس بداخله كل ما غفل والشقي من تألم وربما اتعظ قليلا لكن نسي كثيرا.

نتأمل ابتلاءات من حولنا من الناس فنحمد الله على ما ألم بنا ونتذكر أننا لم نكن لنصبر ولا نتصور أنه سيكون بإمكاننا القدرة على العيش بمصاب ألَمَّ بالآخر، وقد تساوره نفسه بذات الفكرة، فسبحان من أودع في كل منا المقدار الدقيق من قدرة التحمل الذي يشد به أزره، لا يزيد ولا ينقص.

هل تغدو بعد الامتحان كما كنت قبله خصوصا إذا كان امتحانا صعبا مصيريا؟ أنت إن وفقت فيه ازددت في مراتب العلم والتفوق وربما حزت ما أنساك تعب الاستعداد وضغط حل الإجابات، كذلك عندما تمر باللحظات الصعبة، لا يمكن أن تعود بعدها كما كنت قبلها، أنت إن وُفقت فيها تضع روحك في محك كما الحجر عندما يتحول ماسا تحت الضغط، الماس بداخلك كثير وربما يظهر بعد الصعاب أكثر من ظهوره في أوقات رخاء. نفس تلك الصعاب تنفض الغبار عن أماكن لم يعبث بها أحد من قبل، فتنكشف وتنكشف معها جوانب من أفعالك وردود أفعالك، من مشاعرك وقوة احتمالك، من صبرك وحِلمك الذي لم تعهده في نفسك، ثم تسري بروحك مناعة جديدة، مناعة روح تضاف إلى مناعة جسدك.

“ورب صخرة حالت في طريقك لتلفتك عن هاوية من ورائها”

(مصطفى صادق الرافعي)

وأيهم خير؟ أن تكون أقوى من الألم فتنظر إليه نظرة بانورامية تجعلك أنت المتحكم فترقى به أفقيا نحو ذاتك ورأسيا نحو العلا.. نحو المقدر، أم أن تغوص في دائرته التي تشبه كثيرا دوائر الوحل التي تبتلع من يطأ بقدميه عليها فلا تلبث تبتلع منه شيئا فشيئا حتى يتوارى، أما هو فلا يريدك أن تتوارى بل أن ترجع إليه وتستسلم له وتوفي وتتم الكلمات سيرا على خطى أبيك إبراهيم الذي وفى.

تسقط والظنون حولك بأنه لا يمكن أن تقوم لك قائمة، لكنك تقوم وتزهر من جديد، ربما اندثر جانب منك لكن جوانب أخرى تزهر من حيث لا تدري فتعطي عطاء لم تتصوره قط وتلبس كسوة رضا تقيك زعزعة الخطوب وتغير الناس والأحوال، ثم إن ما ستخسره بالاستسلام سيكون أضعاف ما لن تخسره بالنهوض والسعي مجددا. متى ما وعينا الدرس لا نصبح أكثر أيمانا فقط، بل نصبح أكثر تجاوزا، وأسرع نهوضا، وأنضج عقولا، وأمعن حكمة وأوسع إدراكا وألين طبعا، نجمع بين رقة الأفئدة وصلابتها، وابتسامة الوجوه وإنكارها، وسطوة المشاعر وكتمانها، وطفولة الروح ونضجها.

“الصبر حسن صحبة البلاء”

(الإمام الفيروز أبادي)

تختلف درجات البلاء وكلما اشتد كلما ذاقت النفس من درجات الأنس والقرب والرضا ما لا تذوقه وقت الرخاء، قد تتمنى أن يتوقف البلاء وينقلب تجليا لكل ما تمنيته لكنه يستمر فتفطن بعد حين، بعد أن يستقر الرضا في كل جوانب حياتك وتصل درجة حسن الظن إلى مواطن لم تعهدها من قبل وتلامس النفس المطمئنة التي طالما تساءلت عنها، تفطن بعد ذلك أنه كان خيرا، خيرا حتى من نعمة تركن إليها نفسك وحُرمتها…ثم لا ننسى أنها لا تعطي عسل الحكمة والاطمئنان وحسن الفهم إلا بعد لسع كثير.

ولو أنصف العبد ربه، وأنى له بذلك، لعلم أن فضل الله عليه فيما منعه من الدنيا ولذاتها ونعيمها أعظم من فضله عليه فيما آتاه منها، فإنه ما منعه إلا ليعطيه. ابن القيم

 

مدونات الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *