الإنصات.. الركن الركين في الحوار الناجح

خالد المحمد

 

لازالت مقولة الإمام الشافعي “رأيي صواب يحتمل الخطأ.. ورأيُ غيري خطأ، يحتمل الصواب” معيار يجهله الكثيرون ممن نجلس معهم ويكونوا طرفاً في حوار أو نقاش. والإمام الشافعي يقدم لنا درساً في نبذ التعصب ورفض التشدد في التمسك برأي البشر، ويعلمنا أنه لا عصمة لبشرٍ إلا الأنبياء. وهذا كان في أقوال العلماء وخلافاتهم في أحكام الشريعة، فكيف في مسائل أقل من ذلك يمكن أن يكون لك شخص منا قول ورأي وتفكير مختلف عن الآخرين.

 

تعريف الحوار

“الحوار في اللغة: مراجعة الكلام، وفي لسان العرب: (وهم يتحاورون أي: يتراجعون الكلام.. والمحاورة: مراجعة المنطق والكلام في المخاطبة)”..

“الحوار في الاصطلاح: هو المعنى اللغوي السابق نفسه، فهو إذاً: مراجعة للكلام بين طرفين أو أكثر دون وجود خصومة بينهم بالضرورة ، ويقع في الجهة المقابلة للحوار مفهوم الجدل: وهو: (إظهار المتنازعين مقتضى نظرتهما على التدافع والتنافي بالعبارة أو ما يقوم مقامهما من الإشارة والدلالة). ويفرق العلماء بين الحوار والجدل حيث إن الجدل مظنة التعصب والإصرار على نصرة الرأي بالحق وبالباطل والتعسف في إيراد الشبهة والظنون حول الحق إذا برز من الاتجاه الآخر”.

 

أهداف الحوار

  • الاتصال الثقافي: سواء على مستوى الفرد أو على مستوى الأمم.
  • الإقناع: وهو من أهم أهداف الحوار حيث يسعى أحد الأطراف لإقناع الطرف الأخر بصحة وجهة نظره أو الوصول إلى منطقة وسطى تجمع الطرفين في النقاط الإيجابية.
  • تعديل وتقويم الأفكار والقناعات المغلوطة أو الغير صحيحة.
  • تطوير المهارات الكلامية والتفكير المنطقي للمحاورين.

 

أسس الحوار

يعتمد الحوار الناجح في عمليته على ثلاث أسس وهي:

-الفكر والثقافة

-مهارة الحديث

-الإنصات

وهذه الأسس الثلاث هي متداخلة ومتكاملة فكلما كان الإنسان على درجة عالية من الفكر والثقافة نراه أجاد الإنصات واحترم المتكلم وتحلى بآداب ومهارة الحديث وكلما كان منسوب الفكر والثقافة منخفض في تركيبة عقله سنلاحظ ارتفاع صوته في الصراخ واحترافه الدائم لفن المقاطعة والجدل.

وهذا ما يقودنا هنا لصياغة أهم آداب الحوار:

1- احترام الطرف الآخر

2- الإنصات وعدم الاستعجال في الرد.

3- الهدوء وعدم استخدام الصوت المرتفع لأنه دليل على ضعف الحجة والفكر.

4- التركيز على الفكرة التي يدور حولها النقاش وعدم التفرع بعيداً عنها.

5- أن يكون هدف الحوار الوصول إلى الحق وليس إثبات صحة فكرتي.

6- توثيق الأدلة والاستشهادات.

7- استخدام الكلمة الطيبة والقول الحسن.

8- محاولة البدء بنقاط الاتفاق مع الطرف الآخر والانتقال برقة ولين إلى ما اختلف عليه.

9- الاعتراف بصواب وصحة الطرف الآخر وعدم المكابرة في حال كان منطقه وحجته أقوى وأبين.

10-المحافظة على الاتصال البصري مع المتحدث.

 

الإنصات

تتدرج مستويات حاسة السمع ما بين وجودها كأحد الحواس الخمس وما بين اشتراك القلب والعقل مع هذه الحاسة. ما بين السماع ثم الاستماع ثم الإنصات فالإصغاء. السماع هو عملية استقبال الأذن للأصوات بدون انتباه وهي الوظيفة العضوية للأذن كاستقبال صوت خارج الغرفة أو مرور سيارة أو حديث بعيد دون انتباه. لتنتقل العملية لمستوى أعلى وهو الاستماع وهو تلقي الأذن للأصوات مع الانتباه بغرض فهمها والتفاعل معها .ليأتي بعدها الإنصات: وهو الاستماع مع التركيز واستخدام العقل لتحليل الكلام وتحضير رد عليه فور الانتهاء مع عدم المقاطعة أثناء حديث الطرف الآخر.

 

الإصغاء

وهو المرتبة الأعلى حيث هو استماع مترافق مع حضور العقل والقلب بشكل كامل وغالبا ما يكون لكلام شخص قريب له مكانة مهمة في القلب أو استماع للقرآن الكريم. ولعل في نظرة إلى هذه المستويات لا يختلف اثنان على أن المستوى المستخدم في الحوار الناجح هو الإنصات وهو يعُتبر المرتكز الأهم لأي حوار نريد له أن يكون له نصيب من النجاح.

 

قواعد الإنصات

– الإنصات الجيد؛ وهو الاستماع، مع القدرة على قراءة ما خلف الكلمات، وفهمِ موقفِ المتحدث، ولغةِ الجسمِ التي يُبْديها،. أي أن ترى العالم بعينيه! بعيداً عن قيمك ورؤيتك أنت، ودون إطلاق أحكام عليه.

– عدم المقاطعة فمقاطعة المتحدث ممكن أن تؤدي إلى فهم مغلوط بسبب عدم استكمال المحاور لكلامه وفكرته مما يجعلها فكرة مجتزئة.

– الفهم الجيد وتحديد ما إذا المتحدث يتكلم حقائق أم مشاعر أم معلومات أم تحليلات أم انطباعات أو نقل واقتباس.

– عدم سؤال المتحدث: (ماذا قلت أو ماذا سألت ومافي معناها) لأنها تدل على عدم الانتباه والإنصات من طرفك.

– التركيز على لغة الجسد ونبرة الصوت للمتكلم.

ولعل المتتبع لجلسات الحوار في عالمنا العربي سواء جلساتنا العادية الاجتماعية أو الإعلامية على المحطات التلفزيونية أو الحوارات في وسائل التواصل الاجتماعي ليلمح بشدة بعداً عن الإنصات ومشتقاته حتى لنجد كثير من الحوارات حرباً حقيقة شرع فيها الخصمان كل الأسلحة الكلامية متناسين بأن الحوار والنقاش ما هو إلا وسيلة لتبادل وجهات النظر واتفاق وليس غاية وهدف بحد ذاته.

سأل رجلٌ حكيماً: متى أتكلم؟

فأجابه: إذا اشتهيت الصمت.

فسأله: متى اصمت ؟

أجابه الحكيم: إذا اشتهيت الكلام.

 

 

مدونات الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *